منذ اندلاع النزاع السوري، كانت مدينتا حمص وحماة من أكثر المناطق التي تأثرت بالنزوح والتهجير، الأمر الذي تسبب في انقطاع مفاجئ لمسارات التعليم والعمل لدى آلاف الشبان. ولم يكن هذا الانقطاع مجرد توقف مؤقت، بل تحول مع مرور الوقت إلى فجوة حقيقية في الخبرة المهنية، انعكست بشكل مباشر على فرص هؤلاء الشباب في دخول سوق العمل أو المنافسة داخله.
اليوم، يميل أرباب العمل إلى تفضيل أصحاب الخبرات المتواصلة والمهارات المتراكمة، بينما وجد كثير من الشباب السوري أنفسهم خارج هذا المسار بسبب سنوات النزوح وفقدان فرص التدريب والعمل المنتظم.
في قطاع الصحافة، تخرج العديد من الشبان من جامعات سورية، بينها جامعة دمشق وجامعات خاصة، لكن التهجير أوقف قدرتهم على بناء مسار مهني واضح أو تطوير مهاراتهم عبر التدريب والتغطيات الميدانية. رشا، شابة من حمص تبلغ من العمر 27 عاماً، تخرجت من قسم الصحافة وعملت لفترة قصيرة في مكتب إعلامي محلي، إلا أن النزوح دفعها للعمل في توزيع المساعدات وتوثيق أوضاع المخيمات بشكل غير رسمي. وعند عودتها إلى حمص ومحاولتها التقدم لوظيفة في صحيفة إقليمية، قوبل طلبها بالرفض بسبب غياب سجل مهني معتمد أو أرشيف صحفي موثق، رغم امتلاكها خبرة فعلية اكتسبتها خلال سنوات التهجير.
أما في مهنة المحاماة، فإن بناء المسار المهني يعتمد بشكل أساسي على الممارسة اليومية والترافع والتعامل المباشر مع القضايا والموكلين. غير أن النزوح حرم كثيراً من خريجي الحقوق من هذه الفرص، كما زادت صعوبات الاعتراف بالشهادات والانقطاع عن البيئة القانونية من ضعف حضورهم المهني. ويشير الواقع القانوني في مناطق النزوح والدول المضيفة إلى أن عدداً كبيراً من المحامين الشباب السوريين واجهوا فرصاً غير متكافئة أعاقت تطورهم المهني.
وفي قطاع الهندسة، لم يكن التخرج الجامعي كافياً لتعويض سنوات الانقطاع. يوسف، مهندس مدني من حماة يبلغ من العمر 30 عاماً، اضطر خلال سنوات التهجير إلى العمل في ورش بناء عشوائية دون عقود رسمية. وبعد عودته، اكتشف أن تلك الخبرة لا تُحتسب لدى شركات إعادة الإعمار التي تشترط العمل ضمن مشاريع منظمة ومعترف بها رسمياً، ما وضعه أمام فجوة مهنية يصعب تجاوزها.
كما تأثر قطاع التمريض والرعاية الصحية بشكل واضح، بعدما توقفت برامج التدريب السريري والدورات العملية لكثير من الممرضين والممرضات الشباب نتيجة النزوح وتعطل المؤسسات الصحية. هذا الانقطاع انعكس على نقص الكوادر المؤهلة وعلى قدرة القطاع الصحي في مناطق العودة على استعادة خدماته بشكل كامل، خاصة في ظل الحاجة المتزايدة إلى كوادر تمتلك تدريباً عملياً مستمراً.
ويرى مختصون أن معالجة فجوة الخبرة لدى الشباب السوري تتطلب خطوات عملية تبدأ بالاعتراف بالخبرات غير التقليدية التي اكتسبها الشبان خلال العمل غير الرسمي أو في ظروف النزوح، واحتسابها ضمن سجلاتهم المهنية. كما تبرز الحاجة إلى إطلاق برامج تدريب مكثفة تستهدف القطاعات الأكثر تضرراً، مثل الصحافة والقانون والهندسة والرعاية الصحية، بالتعاون بين المؤسسات المحلية والمنظمات الدولية وربطها بفرص عمل حقيقية.
كذلك، تبدو المنصات الرقمية وبرامج الإرشاد المهني أدوات ضرورية لربط الشباب بفرص التدريب والعمل، إلى جانب مساعدتهم في تحديث سيرهم الذاتية وتطوير مهاراتهم المهنية. ولا يمكن تجاهل الجانب النفسي والاجتماعي، إذ ما يزال كثير من الشباب يعانون آثار النزوح والاضطراب، ما يؤثر على ثقتهم بأنفسهم وقدرتهم على الاندماج والمنافسة.
في الواقع، لم تؤدِ سنوات التهجير إلى انقطاع مهني فحسب، بل تسببت أيضاً في فقدان شبكات العلاقات المهنية وفرص التطور وبناء المهارات التنافسية. لذلك، فإن إعادة دمج الشباب السوري في سوق العمل لا تمثل قضية اقتصادية فقط، بل خطوة أساسية في مسار التعافي المجتمعي وإعادة بناء المدن المتضررة.
ورغم ظهور بعض المبادرات المحلية في مدن مثل حمص وحماة لدعم الشباب وإعادة دمجهم مهنياً، فإن حجم التحديات يتجاوز قدرة المبادرات الفردية، ما يجعل الحاجة ملحة إلى خطة وطنية شاملة تفتح المجال أمام جيل كامل لاستعادة دوره في بناء مستقبله ومستقبل مجتمعه.