السوري ـ خاص
لا تزال أكوام الأنقاض المنتشرة في المدن والبلدات السورية تشكل واحداً من أكبر العوائق أمام عودة مئات آلاف السوريين إلى منازلهم، في وقت تتزايد فيه الشكاوى من بطء عمليات إعادة الإعمار وارتفاع تكاليف الترميم، وسط قيود إدارية واقتصادية تعرقل إعادة تأهيل المناطق المتضررة.
ورغم تزايد أعداد العائدين إلى بعض المناطق خلال الأشهر الأخيرة، فإن كثيراً من الأسر تصطدم فور وصولها بحقيقة مختلفة؛ شوارع مدمرة، أبنية آيلة للسقوط، وخدمات شبه معدومة، ما يدفع البعض إلى التراجع عن قرار العودة أو العيش وسط ظروف قاسية داخل منازل مهدمة جزئياً.
وتشير تقديرات أممية إلى أن مئات آلاف السوريين عادوا إلى مناطقهم منذ نهاية عام 2024، بينما يواجه الملايين تحديات مرتبطة بالسكن والبنية التحتية والخدمات الأساسية. وأكدت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن نقص المساكن والخدمات والكهرباء والمياه يعد من أبرز الأسباب التي تمنع عودة كثير من السوريين بشكل دائم.
في مدينة حلب، تبدو آثار الحرب حاضرة بقوة في الأحياء الشرقية والقديمة، حيث لا تزال الأنقاض تغلق طرقات كاملة وتحيط بالأبنية السكنية، فيما يشكو الأهالي من ارتفاع تكاليف إزالة الردم والترميم، إلى جانب تعقيدات الحصول على الموافقات اللازمة لإعادة البناء.
يقول أبو محمد، وهو أحد العائدين إلى حي الأنصاري في حلب، إن عائلته اضطرت للعودة رغم الدمار الواسع بسبب ارتفاع تكاليف الإيجارات في مناطق النزوح، مضيفاً: “عدنا إلى منزل بلا نوافذ ولا كهرباء، والأنقاض ما زالت أمام البناء منذ سنوات. حتى إزالة الركام تحتاج إلى مبالغ لا نملكها”.
أما أم علاء، وهي سيدة عادت مؤخراً إلى ريف دمشق، فتقول إن المشكلة لا تقتصر على الدمار فقط، بل تشمل صعوبة ترميم المنازل بسبب أسعار مواد البناء والإجراءات المعقدة. وتوضح: “تكلفة إصلاح غرفة واحدة أصبحت تفوق قدرة معظم العائلات، وهناك موافقات طويلة ومعقدة قبل أي عملية ترميم”.
وتؤكد تقارير دولية أن ملف إعادة الإعمار في سوريا لا يزال يواجه عراقيل كبيرة، رغم الحاجة الملحة لإعادة تأهيل البنية التحتية والمساكن. وقدّر البنك الدولي كلفة إعادة الإعمار بأكثر من 216 مليار دولار، مشيراً إلى أن قطاعي الإسكان والبنية التحتية من أكثر القطاعات تضرراً خلال سنوات الحرب.
كما تشكل الأنقاض بحد ذاتها خطراً إضافياً على السكان، خاصة مع وجود مخلفات حرب وأجسام غير منفجرة في كثير من المناطق المدمرة. ووفق دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام، فإن أكثر من 15 مليون سوري معرضون لخطر الذخائر غير المنفجرة، ما يعقّد عمليات إزالة الركام وإعادة تأهيل الأحياء السكنية.
وفي عدد من المدن، يعتمد السكان على مبادرات فردية أو حملات تطوعية لإزالة الأنقاض وفتح الطرقات، في ظل محدودية المشاريع الحكومية وضعف التمويل المخصص لإعادة التأهيل. كما تلجأ بعض العائلات إلى بيع ممتلكاتها أو الاستدانة لتأمين تكاليف الترميم الجزئي لمنازلها.
ويقول الباحث الاقتصادي محمود إسماعيل إن أزمة إعادة الإعمار في سوريا ترتبط بعدة عوامل متداخلة، أبرزها ضعف الإمكانيات المالية، وارتفاع أسعار مواد البناء، والعقوبات الاقتصادية، إضافة إلى التعقيدات الإدارية المرتبطة بتنظيم المناطق المتضررة ومنح تراخيص البناء.
ويضيف أن كثيراً من المناطق لا تزال بحاجة أولاً إلى إزالة الركام وإعادة تأهيل شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي قبل الحديث عن إعادة الإعمار الفعلية، مؤكداً أن “عودة السكان إلى مدن مدمرة دون خدمات حقيقية تجعل الاستقرار أمراً بالغ الصعوبة”.
وتشير تقارير أممية إلى أن نسبة كبيرة من السوريين الذين يفكرون بالعودة ما زالوا مترددين بسبب غياب السكن وفرص العمل والخدمات الأساسية، خاصة في المناطق التي تعرضت لدمار واسع.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الأنقاض في سوريا أكثر من مجرد بقايا حرب؛ فهي تحولت إلى أزمة يومية تعيق عودة الأهالي، وتختصر حجم التحديات التي تواجه البلاد في مرحلة ما بعد النزاع، حيث لا تزال إعادة بناء الحجر مرتبطة قبل كل شيء بإعادة بناء الظروف الاقتصادية والخدمية التي تسمح للسوريين بالعودة والاستقرار من جديد.