تتفاقم أزمة الكهرباء في مناطق الساحل السوري، ولا سيما في محافظة طرطوس، مع عودة ساعات التقنين القاسية وارتفاع الفواتير، في مشهد يعكس تعقيدات متزايدة في قطاع الطاقة وانعكاساته المباشرة على حياة السكان.
وبعد تحسن محدود شهدته المحافظة منتصف الشهر الماضي، تمثل بزيادة ساعات التغذية الكهربائية لفترة قصيرة، سرعان ما تلاشى مع بداية العام، ليعود التقنين بوتيرة أشد، حيث تسجل معظم المناطق نحو ساعة وصل مقابل ست ساعات قطع، أي ما يقارب 20 ساعة انقطاع يومياً.
هذا التراجع جاء بالتزامن مع قرار رفع أسعار الكهرباء، ما دفع كثيرين إلى اعتبار التحسن السابق مؤقتًا ومرتبطًا بامتصاص حالة الاحتقان الشعبي، خصوصًا مع غياب أي توضيحات رسمية من وزارة الكهرباء السورية أو الشركة العامة لكهرباء طرطوس حول أسباب التدهور الجديد.
ويؤكد سكان أن واقع التيار الكهربائي بات أكثر فوضوية، مع عدم انتظام ساعات الوصل والفصل، ما يقلل من الاستفادة حتى من فترة التغذية المحدودة، ويضاعف الأعباء اليومية في ظل ظروف معيشية صعبة.
وفي ريف طرطوس، تتزايد الأعطال الفنية نتيجة تهالك الشبكات الكهربائية، حيث سجلت حالات احتراق في الكابلات والمحولات بسبب الضغط الكبير، وسط غياب واضح لأعمال الصيانة الشاملة، واقتصار الاستجابة الرسمية على حلول إسعافية محدودة.
اقتصاديًا، يرى مختصون أن الأزمة تعود إلى عدة عوامل متراكمة، أبرزها نقص الوقود اللازم لتشغيل محطات التوليد، وضعف البنية التحتية، إضافة إلى الخسائر الفنية الكبيرة في الشبكات. وتشير تقديرات إلى أن إنتاج الكهرباء في سوريا لا يزال أقل بكثير من مستويات ما قبل عام 2011، حيث فقدت البلاد جزءًا كبيرًا من قدرتها التوليدية.
في المقابل، أثار قرار جديد يتعلق باحتساب استهلاك الكهرباء جدلاً واسعًا، إذ فرضت الجهات المعنية استهلاكًا ثابتًا يبلغ 400 كيلوواط لكل شهرين على المشتركين الذين لا يمتلكون عدادات، دون الأخذ بعين الاعتبار ساعات الانقطاع الطويلة أو الاستهلاك الفعلي.
ويشمل هذا القرار مواطنين كانوا قد دفعوا ثمن العدادات منذ سنوات دون أن يتم تركيبها، ما يضعهم أمام فواتير مرتفعة لا تعكس واقع استخدامهم.
وتقول منى، وهي موظفة من ريف طرطوس، إن المشكلة لا تقتصر على انقطاع الكهرباء، بل تشمل أيضًا الأعطال المتكررة والتقديرات “غير العادلة” للاستهلاك، معتبرة أن المواطن يتحمل أعباء أخطاء إدارية وفنية لا علاقة له بها.
ويعتمد جزء كبير من السكان في الساحل السوري على بدائل مكلفة مثل المولدات الخاصة أو الطاقة الشمسية، في محاولة لتجاوز الانقطاعات الطويلة، ما يزيد من الأعباء المالية في ظل تراجع القدرة الشرائية.
ويطالب مواطنون بضرورة الإسراع في تركيب العدادات لجميع المشتركين، واعتماد آليات تسعير عادلة وشفافة تقوم على الاستهلاك الفعلي، إلى جانب تحسين واقع الشبكة الكهربائية وتقليل ساعات التقنين.
وتبقى أزمة الكهرباء في الساحل السوري جزءًا من أزمة أوسع يعاني منها قطاع الطاقة في البلاد، وسط غياب حلول جذرية حتى الآن، واعتماد مقاربات مؤقتة لا تنجح في الحد من معاناة السكان أو تحقيق استقرار مستدام في الخدمة.