لكل السوريين

الزواج القسري في سوريا.. بين ضغط العادات وحق الاختيار

في عدد من البيئات السورية، ما تزال بعض الفتيات يواجهن قيوداً صارمة تحدّ من حقهن في اختيار شريك الحياة، حيث تتدخل الأسرة بشكل مباشر في تقرير مصيرهن، وقد تُجبر الفتاة على القبول بزواج لا ترغب فيه، تحت ذرائع تتعلق بالمصلحة أو السمعة أو التقاليد.

هذه الظاهرة لا تقف عند حدود الاختيار فقط، بل تمتد لتشمل حرمان الفتيات من استكمال تعليمهن، ودفعهن نحو الزواج المبكر، ما يترك آثاراً طويلة الأمد على حياتهن النفسية والاجتماعية.

تقول سمر الأحمد (19 عاماً) من ريف إدلب، إنها تزوجت قبل ثلاث سنوات بعد إلحاح شديد من عائلتها، رغم رغبتها في متابعة دراستها الثانوية. وتوضح أن قرار الزواج لم يكن بيدها، بل فُرض عليها بحجة أن “الفرصة لا تُعوّض”، مضيفة أنها لا تزال تشعر بأنها فقدت جزءاً مهماً من حياتها كان يمكن أن يُغيّر مستقبلها.

وتشير إلى أن العريس كان من أقارب العائلة، وهو خيار تفضّله الكثير من الأسر باعتباره “أكثر أماناً”، رغم أن ذلك لا يضمن التفاهم أو الانسجام بين الطرفين.

ارتباطات مبكرة بلا خيار

في بعض المناطق، لا يزال تقليد ربط الفتاة بقريب لها منذ الطفولة قائماً، بحيث يُتوقع منها الزواج منه عند بلوغها سن الرشد، دون أن يُؤخذ رأيها بعين الاعتبار. هذا النمط من الزواج يُبقي الفتاة ضمن دائرة محددة، ويُقيد فرصها في اختيار شريك يتوافق مع طموحاتها.

ريم الخطيب (35 عاماً) من ريف حمص، تروي أنها نشأت وهي تعلم أنها ستتزوج ابن خالها، ورغم تفوقها الدراسي وحصولها على شهادة جامعية في العلوم، لم تتمكن من تغيير هذا القرار. وتضيف أن الفجوة الفكرية بينهما أدت إلى خلافات مستمرة، انتهت بالانفصال بعد سنوات من المعاناة.

أسباب متجذّرة في المجتمع

يرى مختصون اجتماعيون أن الزواج المفروض يرتبط بجملة من العوامل، أبرزها الخوف من تأخر زواج الفتاة، والضغوط الاجتماعية، إضافة إلى مفاهيم تقليدية تمنح الأسرة سلطة مطلقة في اتخاذ القرار.

كما تلعب الظروف الاقتصادية دوراً محورياً، حيث تلجأ بعض العائلات إلى تزويج بناتها لتخفيف الأعباء المعيشية، خاصة في ظل الأزمات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.

انعكاسات نفسية واجتماعية

الزواج الذي يتم دون رضا كامل غالباً ما ينعكس سلباً على استقرار الفتاة، إذ قد يؤدي إلى شعورها بالعجز وفقدان السيطرة على حياتها، ويزيد من احتمالية تعرضها لمشكلات نفسية مثل القلق والاكتئاب.

كما أن غياب التفاهم بين الزوجين قد يؤدي إلى توتر دائم داخل الأسرة، ما ينعكس بدوره على الأطفال في حال وجودهم.

مخاطر صحية محتملة

وفيما يتعلق بزواج الأقارب، يحذر أطباء من احتمالية ارتفاع خطر انتقال بعض الأمراض الوراثية، خاصة في حال عدم إجراء الفحوصات الطبية اللازمة قبل الزواج. وتشمل هذه الأمراض اضطرابات الدم وبعض التشوهات الخَلقية، ما يستدعي مزيداً من التوعية والإرشاد.

خطوات نحو التغيير

يشدد مختصون على ضرورة تعزيز وعي المجتمع بحق الفتاة في القبول أو الرفض، والعمل على دعم تعليمها واستقلالها، باعتبار ذلك من أهم وسائل الحماية من الزواج غير المتكافئ أو المفروض.

كما تبرز أهمية توفير الإرشاد الأسري، وإشراك المؤسسات التعليمية والإعلامية في نشر ثقافة تقوم على الاحترام المتبادل داخل الأسرة، والتأكيد على أن الزواج الناجح يبدأ برغبة حقيقية من الطرفين.

في النهاية، تبقى حرية الاختيار حجر الأساس لأي علاقة مستقرة، وأي زواج يُبنى على الإكراه يظل مهدداً بالفشل، مهما كانت مبرراته.

- Advertisement -

- Advertisement -