يعد غياب العدالة الاجتماعية تهديداً خطيراً للسلم الأهلي، لما يحمله من تداعيات اجتماعية وسياسية واقتصادية عميقة تهدد تماسك المجتمع، فحين يغيب نظام عادل لتوزيع الثروة والفرص، تتسع الفجوة بين الطبقات وتتعمق مشاعر الإقصاء والظلم لدى الفئات المهمشة، ما يخلق بيئة قابلة للانفجار في أي لحظة.
وفي الحالة السورية، كان غياب العدالة الاجتماعية أحد الأسباب الجوهرية التي مهدت لانفجار الأزمة التي عصفت بالبلاد، إذ أدى تركز الثروة والسلطة في أيدي نخبة فاسدة إلى تهميش الغالبية العظمى من الشعب، الأمر الذي ولّد حالة من السخط الجماعي وعدم الرضا الاجتماعي.
وأحد أخطر مظاهر هذا الغياب هو انهيار منظومة الحماية الاجتماعية التي يفترض أن توفرها الحكومة، حيث تراجعت الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والإسكان، وفقدت الحكومة قدرتها على تأمين شبكة أمان تحمي المواطنين.
ومع تدهور الخدمات العامة وانهيار الاقتصاد، حُرم ملايين السوريين من أبسط حقوقهم في العيش الكريم. وحين تتخلى الحكومة عن دورها في حماية المجتمع، يلجأ الأفراد إلى بدائل أخرى، غالباً ما تكون على شكل انتماءات ما دون وطنية، كالعشيرة أو الطائفة أو القومية.
هذه البدائل، وإن وفرت حماية مؤقتة، فإنها تكرس الانقسامات الاجتماعية وتعزز الولاءات الثانوية على حساب الانتماء الوطني المشترك، مما يؤدي إلى تفتيت المجتمع إلى جماعات متصارعة، يدافع كل منها عن مصالحه الضيقة على حساب المصلحة العامة.
وفي سوريا، أسهم غياب العدالة الاجتماعية في تضخيم هذه التوترات، إذ تحولت المظالم الاقتصادية إلى صراعات جانبية تهدد السلم الأهلي ولا تعكس جوهر الصراع الحقيقي.
غياب العدالة الاجتماعية لا يعني فقط انتهاك الحقوق الاقتصادية للفئات المهمشة، بل يشمل أيضاً انهيار منظومة الحماية الاجتماعية، الأمر الذي يدفع المواطنين نحو شبكات حماية بديلة تزيد من حدة الانقسام وتضعف التماسك الوطني، وتجعل تحقيق السلم الأهلي أمراً بعيد المنال.
ومن ثم، فإن أي مسعى جاد لبناء سلم أهلي مستدام لا بد أن ينطلق من إعادة بناء منظومة العدالة الاجتماعية، بما يكفل توزيعًا عادلًا للثروة والفرص، ويعيد للدولة دورها كضامن للحماية الاجتماعية لجميع مواطنيها دون تمييز.
أي نظام يتجاهل العدالة الاجتماعية ويعتمد على القمع وحده لفرض الاستقرار، من دون معالجة المظالم الاقتصادية والفوارق الطبقية بين نخبة فاسدة وأغلبية مسحوقة، يضع السلم الأهلي على طريق الانهيار. فالمجتمع المحروم من حقوقه الاقتصادية والاجتماعية يصبح أكثر استعدادًا للمواجهة والانفجار، وكلما تراجعت مستويات العدالة الاجتماعية تراكمت تحت السطح أسباب الانفجار. أما الاستقرار القائم على القوة وحدها فهو هش وزائف، وسرعان ما ينهار عند أول فرصة لاندلاع الأزمات، لأن الاستقرار الحقيقي يقوم على أسس اقتصادية واجتماعية قبل أن يكون أمنيًا.
في سوريا تغيب العدالة الاجتماعية منذ أن انهار الاقتصاد وتعرضت الغالبية للتهميش، والوضع الكارثي الذي نعيشه اليوم ليس وليد الصراع الأخير فقط، بل نتيجة سياسات ممنهجة تعود إلى سنوات طويلة. ومن هنا، فإن السير في طريق العدالة الاجتماعية لن يكون مهمة سهلة، لكنه ليس مستحيلاً إذا ما توافرت الإرادة السياسية الحقيقية.
ويتطلب ذلك إصلاح منظومة الحماية الاجتماعية عبر إعادة بناء شبكة أمان تشمل التأمين الصحي الشامل، والدعم المباشر، وتأمين السكن اللائق، إلى جانب إعادة تأهيل القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة لخلق فرص عمل وتقليل التبعية الاقتصادية.
كما يستوجب الأمر إعادة الاعتبار لدور الحكومة كضامن للحقوق، من خلال وقف سياسات الخصخصة العشوائية التي حولت الحكومة إلى وسيط لنهب المال العام، وإعادة بناء مؤسساتها على أسس الكفاءة والمساواة بعيداً عن المحسوبيات والولاءات الضيقة. فالعدالة الاجتماعية ليست مجرد مطلب إنساني، بل هي شرط لبقاء السلم الأهلي، الذي لا يُفرض بالقوة والسلاح، وإنما يتحقق عبر توزيع عادل للثروة، ومنظومة حقوق تعيد للوطن قوته وللمواطن كرامته.