لكل السوريين

الدواجن .. وشمس لا ترحم

عبد الكريم البليخ

في عزّ الصيف، حين تثقل الشمس على الحقول وتختنق الأزقة بحرارة النهار، يكتشف مربّو الدواجن أن خصمهم الأكبر ليس السوق ولا العلف، بل الطبيعة نفسها. الحرارة، إذا بلغت ذروتها، تتحوّل من ضيف موسمي مألوف إلى قوة مدمّرة، تتسلّل إلى الحظائر وتحيلها أفراناً مكتظة، تسقط فيها الطيور قبل أن تبلغ دورة حياتها.

هذه ليست موجة حر عابرة، بل كارثة اقتصادية واجتماعية تتساقط خسائرها بمئات الملايين. مشهد الطيور النافقة لا يترك في عيون المربّين سوى غبار التعب، وهم يرون استثمار العمر يتبخّر في الهواء الساخن.

يسمّي رئيس لجنة مربي الدواجن، ما يحدث بـ “الإجهاد الحراري”. مصطلح علمي يخفي وراءه جحيماً صامتاً. فالدواجن، بخلاف كثير من المخلوقات، لا تملك غدداً عرقية، وتعتمد على التنفس لهدر الحرارة. لكن اللهاث الذي يبدأ كوسيلة نجاة، ينتهي بتسريع الانهيار. يفقد الطير شهيته، ينكمش وزنه، تتراجع إنتاجية البيض واللحم، فيخسر المربّي الحياة والجدوى معاً.

ورغم أن تقنيات الإسكان المغلق أثبتت قدرتها على التحكم بالحرارة والرطوبة، ما زالت غالبية المزارع تُبنى بأسقف من التوتياء وجدران خفيفة، تمتص حر الشمس وتبثها داخل الحظيرة. العمارة هنا ليست مجرد شكل، بل قرار اقتصادي واجتماعي، يحكم على القطيع إما بالنجاة أو بالفناء، في زمن صار فيه مزاج الطقس أكثر تقلباً من أي وقت مضى.

لكن أثر الكارثة لا يتوقف عند بوابة المزرعة. قطاع الدواجن في الأرياف شريان حياة لعائلات بأكملها، يربط بين مزارع العلف، والنقل، والمسالخ، والأسواق. حين تتعطل حلقة، تتداعى الأخرى: الأسعار ترتفع، المعروض ينقص، وطبق البيض على المائدة يتحوّل من عادة يومية إلى رفاهية.

المحنة ليست اقتصادية فحسب، بل نفسية أيضاً. المربّي الذي ربّى الفرخ منذ لحظة خروجه من البيضة، يطعمه ويحميه، لا يراه سلعة صمّاء، بل كائناً له قيمة. موت القطيع هنا هو خيانة من الطبيعة، وصفعة عجز أمام سطوتها.

ويذكر أحد الخبراء بأن للدواجن وسائل بدائية لمواجهة الحر: التبخير عبر التنفس، الإشعاع، التوصيل عبر العرف والداليتين، ورفع الأجنحة لزيادة حركة الهواء على الجلد. لكن كل هذه الآليات تنهار حين يكون الهواء نفسه حاراً والمكان مزدحماً والماء شحيحاً.

الحلول واضحة لكنها مُكلفة: تهوية جيدة، رش الماء لتبريد الحظائر، مظلات في المساحات المفتوحة، مياه شرب نظيفة وباردة، ومكملات كفيتامين C وكربونات الصوديوم لمساعدة الطيور على التحمّل. غير أن هذه الإجراءات، في زمن الخسائر، تظلّ بالنسبة لكثيرين رفاهية بعيدة المنال.

تاريخياً، كانت تربية الدواجن مرتبطة بإيقاع الطبيعة، والظلّ الطبيعي، والمساحات الواسعة. لكن ضغط الطلب على الإنتاج، وكثافة التربية، وانغلاق المزارع، جعل القطيع أكثر هشاشة أمام موجات الحر، وأدخل النقاش في معادلة أوسع: كيف نوازن بين الإنتاج المكثف وصحة الحيوان، بين الربح السريع والاستدامة؟

قد تبدو حكاية نفوق الدواجن في قيظ الصيف حادثاً عابراً وسط أزمات أكبر، لكنها تحمل رسالة أعمق: أن علاقتنا بالطبيعة ليست علاقة سيطرة مطلقة، وأن الاقتصاد، مهما تعقّد، يظل في النهاية رهيناً لحرارة يوم، ونسمة هواء، وقطرة ماء.

يقف المربّي أمام الحظيرة الصامتة، يدرك أن الطيور لم ترحل وحدها، بل أخذت معها فصلاً من عمره وأمله. وتحت شمس لا ترحم، يتأكّد أن معركته القادمة ليست فقط لتعويض الخسارة، بل العثور على طريقة للتعايش مع عالم يتغيّر أسرع مما اعتاد.

- Advertisement -

- Advertisement -