لكل السوريين

الراموسة… قلب حلب الصناعي يعود للحياة بعد سنوات من الدمار

حلب/ خالد الحسين

في منطقة الراموسة، كان ضجيج المعارك ورائحة البارود هما المسيطرين على المشهد لسنوات. أما اليوم، فصوت ماكينات المصانع يعلو مجدداً، ليعلن عن عودة خجولة لكنها قوية لأحد أهم شرايين الاقتصاد السوري: الصناعة الحلبية. الراموسة، التي كانت مسرحاً لمعارك ضارية حسمت مصير حلب، تحاول الآن نفض غبار الحرب والعودة إلى سابق عهدها كقلب نابض بالإنتاج.

عندما تطأ قدماك الراموسة اليوم، لا يمكنك إلا أن تتأمل في حجم الدمار الذي خلفته الحرب. هياكل مصانع منهارة، أسقف متآكلة، وجدران مثقوبة بآثار القذائف. لكن وسط هذا الخراب، بدأت تظهر ملامح الحياة. أصحاب المصانع، الذين فروا من جحيم الحرب، يعودون ببطء لتقييم الأضرار، وبدء رحلة إعادة الإعمار. يروي لنا الحاج أبو محمد، صاحب مصنع للنسيج، كيف وجد مصنعه بعد عودته: “كان مجرد كومة من الركام. لم يتبق شيء. حتى الماكينات التي لم تسرق كانت مدمرة بالكامل”. ولكنه يضيف بنبرة ملؤها الأمل: “لا يمكن أن نستسلم. هذا هو عملنا، وهذا هو تاريخنا. عدنا لنبني من جديد”.

العودة ليست سهلة يواجه الصناعيون تحديات كبيرة، تبدأ من التمويل ولا تنتهي عند البنية التحتية. البنوك لا تقدم قروضاً كافية، والمصرف المركزي يفرض قيوداً على التحويلات المالية. يقول فادي، وهو صناعي شاب ورث مصنعاً عن والده: “أكبر مشكلة تواجهنا هي تأمين رأس المال. كل ما نملكه استثمرناه في إعادة الإعمار. نحتاج إلى دعم حكومي حقيقي، لا مجرد وعود”. بالإضافة إلى التمويل، هناك مشاكل أخرى كالبنية التحتية المتهالكة، ونقص الكهرباء والمياه، وارتفاع أسعار المواد الأولية. شبكات الكهرباء والماء لا تعمل بانتظام، مما يضطر أصحاب المصانع إلى الاعتماد على المولدات الخاصة، التي تستهلك كميات كبيرة من الوقود.

على الرغم من كل الصعوبات، فإن الأمل هو ما يدفع هؤلاء الصناعيين إلى الأمام. كثيرون بدأوا بالعمل على نطاق محدود، مستخدمين ما تبقى لديهم من موارد. يعتمدون على خبرتهم الطويلة في الصناعة، وعلى شبكات علاقاتهم التجارية القديمة. بعضهم بدأ في تصنيع قطع صغيرة من النسيج، أو أجزاء من الأثاث، أو حتى المواد الغذائية، بهدف إعادة بناء القاعدة الإنتاجية شيئاً فشيئاً. يوضح خالد، صاحب مصنع للأثاث: “بدأنا بتصنيع قطع صغيرة من الأثاث المنزلي. الطلب قليل، لكنه موجود. الأهم هو أن العجلة بدأت تدور من جديد”.

دور القطاع العام والمجتمع المحلي

الحكومة الانتقالية تزعم دعم هذه العودة، لكن جهودها لا تزال غير كافية في نظر الصناعيين. هناك مبادرات لإعادة تأهيل البنية التحتية، وإصلاح شبكات الكهرباء والمياه، لكن وتيرة العمل بطيئة. في المقابل، يلعب المجتمع المحلي دوراً كبيراً في دعم هذه العودة. فالعمال يعودون للعمل بأجور أقل من السابق، والبعض يقدم خدماته للمساعدة في إعادة البناء، مدفوعين بالرغبة في استعادة الحياة الطبيعية.

الراموسة لم تعد مجرد منطقة صناعية. إنها رمز لإرادة الحياة والصمود. هي قصة عن صناعيين قرروا أن يصنعوا الأمل من بين الركام، وأن يبنوا مستقبلهم بأيديهم. الطريق لا يزال طويلاً ومليئاً بالعقبات، لكن الإصرار موجود، والعمل مستمر. قد تكون العودة خجولة اليوم، ولكنها بالتأكيد تحمل في طياتها الأمل بغد أفضل، حيث تعود حلب لتكون كما كانت: قلب الصناعة السورية النابض بالحياة.

- Advertisement -

- Advertisement -