في خضمّ التصعيد المتسارع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، ومع تعدّد الجبهات المفتوحة وامتداد الاشتباك إلى لبنان، تبدو المنطقة وكأنها تدور في حلقة مفرغة من التوترات التي يصعب فكّ شيفرتها أو التنبؤ بمآلاتها. مشهد معقّد تتداخل فيه السياسة بالعسكر، والاقتصاد بالأمن، ليشكّل ما يمكن وصفه بصراع دائري، يتمدّد وينكمش وفق حسابات القوى المتصارعة.
اليوم، وتحت مظلة ما يُسمّى “اتفاقات وقف إطلاق النار”، لا يمكن الحديث عن سلام فعلي بقدر ما نحن أمام هدن هشة ومؤقتة. هدنة أميركية–إيرانية غير مباشرة، وأخرى لبنانية–إسرائيلية، كلاهما محكومتان بتوازنات دقيقة وهشّة، وقابلة للانهيار في أي لحظة. فإعادة فتح مضيق هرمز ثم إغلاقه مجددًا، واستمرار التوغلات الميدانية رغم المسارات التفاوضية، كلّها مؤشرات على أن ما يجري ليس تسوية بقدر ما هو إدارة مؤقتة للصراع.
الاحتمالات هنا مفتوحة على مصراعيها. قد تكون هذه الهدن مدخلًا لتفاهمات أوسع تنهي حالة الاستنزاف، أو مجرد استراحة لإعادة ترتيب الأوراق قبل جولة جديدة، قد تكون أكثر عنفًا واتساعًا، وربما تفتح الباب أمام تدخلات دولية إضافية. ما يزيد من تعقيد المشهد أن كل طرف لا يزال يبحث عن “نصر قابل للتسويق داخليًا”، وهو ما يعرقل أي تسوية حقيقية.
في هذا السياق، لا تبدو إيران في موقع المنكسر، رغم الأضرار التي لحقت بها. على العكس، تسعى إلى تثبيت رواية الصمود، مستندة إلى بقائها في المواجهة وفرضها معادلات ضغط، أبرزها ورقة مضيق هرمز. وفي الداخل، تتراوح الصورة بين مؤشرات على انقسامات وتباينات، وبين احتمال أن يكون هذا التعدد جزءًا من استراتيجية مدروسة لإدارة الصراع على أكثر من مستوى.
إسرائيل، من جهتها، تجد نفسها أمام معادلة مشابهة. فهي لم تحقق هدفها الأبرز بإسقاط النظام الإيراني، لكنها في الوقت ذاته تسعى إلى إعادة صياغة ما جرى بوصفه إنجازًا استراتيجيًا. غير أن سلوكها السياسي والعسكري في السنوات الأخيرة يعكس صعوبة تقبّل نتائج لا ترقى إلى سقف التوقعات، ما يجعل احتمالات التصعيد قائمة، خاصة في ظل سعيها لاستعادة ما تعتبره “قوة الردع”.
أما الولايات المتحدة، فتبدو في موقع ملتبس. فهي من جهة تقود مسارات التفاوض، ومن جهة أخرى تُتّهم بتأجيج التوترات عبر سياسات متقلبة وغير مستقرة. هذا التناقض ينعكس على صورتها الدولية، ويطرح تساؤلات حول قدرتها على فرض تسويات مستدامة، أو حتى الحفاظ على توازنات قائمة.
وفي قلب هذا المشهد، يقف لبنان كحلقة أضعف في سلسلة الصراع. بلد مثقل بالأزمات، يجد نفسه مجددًا ساحة لتصفية الحسابات، في ظل هشاشة داخلية عميقة. الحديث عن مسارات تفاوضية لا يخفي حقيقة الفجوة بين ما يجري على الأرض وما يُطرح سياسيًا، خاصة مع استمرار العمليات العسكرية وفرض وقائع ميدانية جديدة.
ما يثير القلق أن المسار العسكري يبدو، حتى الآن، أكثر حضورًا من المسار السياسي. فبينما تُطرح مبادرات التهدئة، تستمر الوقائع الميدانية في فرض منطق مختلف، ما يعزز الشكوك حول جدية الوصول إلى حل نهائي.
في المحصلة، نحن أمام مشهد لا غالب فيه ولا مغلوب، حيث لم يحقق أي طرف انتصارًا حاسمًا، ولم يتعرض لهزيمة كاملة. وهذا بحد ذاته أحد أخطر عناصر الصراع، لأنه يطيل أمده ويجعل كل الاحتمالات مفتوحة.
السؤال الأهم لم يعد: من سينتصر؟ بل: هل هناك أصلًا من يسعى إلى إنهاء هذا الصراع؟ أم أن منطق الحرب بات جزءًا من آلية إدارة النفوذ في المنطقة؟
في ظل هذا الضباب الكثيف، تبقى الحقيقة الوحيدة الواضحة أن شعوب المنطقة، المنهكة أصلًا، هي التي تدفع الثمن في جميع السيناريوهات، وتبقى رهينة صراع لا تملك القدرة على إنهائه، ولا ترف الهروب من تداعياته.