لكل السوريين

دخان الشوارع… كيف اختنقت دمشق بتلوث العوادم؟

السوري/ دمشق

في دمشق، حيث تختلط الحياة اليومية بضجيج العاصمة، باتت السماء فوق شوارعها تحمل نَفَساً ثقيلاً لا يقتصر على حرارة الشمس وحدها، بل هو عبء تلوث الهواء الذي يرتفع من عوادم السيارات والمولدات والمصادر الصناعية المحيطة. المدينة التي لطالما عُرفت بهدوئها النسبي وسط صخب المدن الكبرى، أصبحت في السنوات الأخيرة أكثر عرضة لخطر تراجع جودة الهواء، ما دفع الكثير من سكانها للتساؤل: إلى متى ستظل دمشق تختنق بلا رقابة حقيقية على ملوثات الهواء؟

في صباح أحد الأيام، في حي كفر سوسة بدمشق، توقف نبيل، رجل في الثامنة والثلاثين من عمره، عند إشارة مرورية، بينما كانت السيارات القديمة والحافلات الكبيرة تطلق أعمدة من الدخان الأسود في الهواء. يقول نبيل وهو يرفع قميصه ليُغطي أنفه وفمه: “كل يوم عندما أخرج إلى العمل أشعر بثقل في التنفس، والاختناق يزداد عندما يكون الطقس هادئاً بدون رياح تساعد على تلاشي الدخان.” يعكس كلامه واقعاً يعانيه غالبية سكان العاصمة، إذ تشير المراقبة اليومية إلى أن عوادم السيارات تمثل نسبة كبيرة من تلوث الهواء في دمشق، خاصة نظراً لعدد المركبات القديمة والميكروباصات التي تعمل بوقود الديزل، وهو ما يزيد من انبعاث غازات ضارة وجسيمات دقيقة تتغلغل في الرئتين.

على مقربة من سوق الحميدي، تجلس سارة، شابة في الثامنة والعشرين، مع ابنتها الصغيرة في مقهى خارجي، وتقول وهي تتنحنح ببطء: “كلما خرجتُ في نزهة مع ابنتي، أجدها تعود للمنزل تسعل بلا توقف. أحياناً أضطر لإلغاء خططنا لأن الهواء لا يساعد على البقاء في الخارج.” حالات السعال والحساسية أصبحت شائعة بين الأطفال في الحي، ولا يمر يوم بدون أن تسمع شكوى من أحد الجيران حول تأثير الهواء الملوث على صحة أبنائهم.

وفي أحد مصابيح الشارع في باب توما، يقف طبيب مختص بالأمراض التنفسية، يوضح أن ارتفاع مستويات الجسيمات الدقيقة في الهواء يؤدي إلى زيادة حالات الربو والتهاب القصبات المزمن وربما مشاكل أكثر خطورة للرئتين، خصوصاً لدى الأطفال وكبار السن. ويرى أن التحسن في جودة الهواء يتطلب إجراءات من عدة جهات، تشمل تقنين حركة المرور وتحسين نوعية الوقود ومراقبة انبعاثات المصانع، بالإضافة إلى تطوير وسائل النقل العام للحد من اعتماد الأفراد على السيارات الخاصة القديمة، وهو ما بات ضرورة بيئية وصحية ملحة.

أما في حي المزرعة، فتروي أم باسل، امرأة في الخامسة والأربعين، قصة تأثير التلوث على زراعة حديقتها الصغيرة: “كنت أزرع زهراً ونباتات خضراء، لكن الأوراق صارت تصفر وتنثني بسرعة… حتى النباتات بدأت تتأثر بهذا الهواء الثقيل.” التلوث لا يؤثر فقط على صحة الإنسان، بل يمتد إلى البيئة الحضرية نفسها، حيث تؤدي الجسيمات والغازات المنبعثة من العوادم إلى تغيير في الخلايا النباتية وتقليل قدرة النباتات على النمو الطبيعي في البيئات الحضرية.

رغم تفاقم المشكلة، إلا أن هناك جهوداً يعلن عنها بين الحين والآخر من قبل الجهات المعنية في دمشق، تعلن عن خطط للحد من ارتفاع نسب التلوث والتحسين التدريجي لجودة الهواء. إلا أن كثيرين في الشارع يرون أن هذه الخطط تظل نظرية أكثر منها عملية، خصوصاً في ظل غياب رقابة صارمة على معايير انبعاثات المركبات والمولدات، وعدم تنفيذ برامج فعّالة لتقليل عدد السيارات القديمة التي تسهم بشكل كبير في التلوث.

وفي أحد أزقة الميدان، يروي فادي، رجل خمسيني، أنه منذ سنوات وهو يعاني من ضباب دخاني كثيف يتجمع في الصباح والمساء، ويقول: “يبدو أن المدينة تقف عاجزة أمام هذه المشكلة، رغم أن الجميع بات يشعر بتأثيرها يومياً. لا أستطيع أن أفتح نافذة المنزل صباحاً دون أن أجد طبقة من الدخان الغامق على الأثاث.” الوضع يزداد سوءاً في الأوقات التي لا تهب فيها الرياح، فتبدو السماء رمادية فوق العاصمة، مثل ستارٍ ثقيل لا يتلاشى بسهولة.

ويشير بعض السكان إلى أن انقطاع الكهرباء المتكرر يدفع الأهالي للاعتماد على مولدات كهربائية تعمل لساعات طويلة، مطلقة المزيد من أكاسيد النيتروجين والكبريت في الهواء، مما يزيد من تفاقم الأزمة الصحية والبيئية في دمشق.

أما بالنسبة لجودة الهواء، فتظهر المراقبة اليومية أن مستوى التلوث في دمشق غالباً ما يصنف على أنه “سيئ”، ما يعكس ارتفاع الجسيمات والملوثات في الجو مقارنة بالمعدلات الصحية المقبولة، وهو ما يثير مخاوف الأطباء والمختصين البيئيين لآثارها على الصحة العامة.

في الأزقة والشوارع الرئيسية، يتردد حديث عن ضرورة تدخل يشمل تحسين شبكة المواصلات العامة، ومراقبة المركبات القديمة، ووضع ضوابط صارمة لعوادم المولدات الصناعية والسكنية، وتأهيل المساحات الخضراء التي تساعد في تخفيف حدة التلوث. يرى كثير من المواطنين أن معالجة مشكلة التلوث ليست مسؤولية الجهات المعنية وحدها، بل تتطلب تعاوناً مجتمعياً وتشريعاً فعالاً يساهم في تحسين جودة الهواء والسماح لمدينة دمشق بأن تتنفس بحرية أكثر مما هي عليه اليوم.

بينما تنتظر دمشق خطة شاملة تنقذ هواءها من الدخان المتصاعد، يبقى السؤال مطروحاً في وجوه الناس: هل يمكن للمدينة التي شهدت تاريخاً طويلاً أن تستعيد سماءً أنقى؟ تبقى الإجابة مرتبطة بمدى جدية الإجراءات وإرادة المجتمع بأكمله في جعل التلوث مسؤولية تُعالج على أرض الواقع، قبل أن يتحول إلى أزمة صحية بيئية لا رجعة فيها.

- Advertisement -

- Advertisement -