السوري/ دمشق
بعد أكثر من عام على تولي الحكومة السورية المؤقتة زمام الأمور في سوريا، لم يعد من الممكن الاكتفاء برصد القرارات والإعلانات بوصفها مؤشرات على الإنجاز، بل بات من الضروري تقييم الأثر الفعلي لهذه السياسات على حياة السوريين واقتصاد البلاد. وفي هذا السياق، تبدو الحصيلة أقرب إلى إدارة مستمرة للأزمة، دون ملامح واضحة لانتقال حقيقي نحو التعافي.
منذ بداية عملها، قدمت الحكومة نفسها كحكومة إصلاح اقتصادي، وطرحت سلسلة من الإجراءات التي قُدمت باعتبارها خطوات ضرورية لتحريك السوق وتخفيف القيود. شملت هذه الإجراءات تعديلات على سياسات الاستيراد، وتسهيلات في التعامل بالعملات الأجنبية، ومحاولات لإعادة تنشيط قطاعات الإنتاج، إضافة إلى فتح قنوات تعاون اقتصادي مع أطراف خارجية.
غير أن هذه الخطوات، على كثرتها، لم تنجح في إحداث التحول المأمول. فالسوق المحلية بقيت تعاني من اختلالات عميقة، والإنتاج لم يشهد انتعاشًا حقيقيًا، بينما استمرت الضغوط المعيشية على المواطنين دون تغير يُذكر. وهو ما يعكس فجوة واضحة بين السياسات المعلنة ونتائجها الفعلية على الأرض.
المشكلة لا تكمن فقط في محدودية الإنجاز، بل في طبيعة المقاربة التي اعتمدتها الحكومة. إذ بدت القرارات في معظمها استجابات متفرقة لأزمات متلاحقة، دون أن ترتبط بإطار استراتيجي شامل يحدد الأولويات ويضع مسارًا واضحًا للإصلاح. هذا النمط من الإدارة، القائم على رد الفعل، يعيد إنتاج الأزمة بدل معالجتها.
كما أن الحديث المتكرر عن “الانفتاح الاقتصادي” لم يترجم إلى نتائج ملموسة، في ظل بيئة اقتصادية تعاني من ضعف البنية الإنتاجية، وتراجع القدرة الشرائية، وغياب الحوافز الفعلية للاستثمار. ففتح الأسواق أو تخفيف القيود، دون معالجة الجذور العميقة للمشكلة، يبقى إجراءً محدود الأثر.
في المقابل، لم تظهر حتى الآن مؤشرات على وجود خطة اقتصادية طويلة الأمد، قادرة على تحقيق التوازن بين الاستقرار النقدي وتحفيز الإنتاج وتحسين مستوى المعيشة. بل إن السياسات المتبعة توحي باستمرار الاعتماد على حلول جزئية، قد تخفف من حدة بعض الأزمات مؤقتًا، لكنها لا تضع أساسًا لتعافٍ مستدام.
هذا الواقع ينعكس مباشرة على ثقة الشارع، حيث تتسع الفجوة بين الخطاب الرسمي، الذي يتحدث عن إصلاحات وتحولات، وبين تجربة المواطن اليومية التي لا تزال محكومة بارتفاع الأسعار، وضعف الدخل، وتراجع الخدمات. ومع غياب نتائج ملموسة، يصبح من الصعب إقناع الرأي العام بجدوى المسار الحالي.
إن تقييم عام من عمل الحكومة لا ينبغي أن يقتصر على ما أُعلن من قرارات، بل على ما تحقق فعليًا من تغييرات. وحتى الآن، تشير المؤشرات إلى أن الحصيلة لا تزال دون التوقعات، وأن التحدي الأكبر لا يكمن في إصدار المزيد من الإجراءات، بل في بناء رؤية متكاملة قادرة على تحويل هذه الإجراءات إلى نتائج.
في المحصلة، يمكن القول إن الحكومة أمضت عامها الأول في إدارة التوازنات الصعبة، لكنها لم تنجح بعد في الانتقال إلى مرحلة بناء الحلول. وهو ما يضعها أمام اختبار حقيقي في المرحلة المقبلة: إما الاستمرار في إدارة الأزمة، أو الشروع في صياغة استراتيجية واضحة تعيد رسم المسار الاقتصادي وتمنح السوريين أفقًا مفقودًا منذ سنوات.