لكل السوريين

من الحاجة إلى المبادرة.. كيف تعيد درعا تشكيل خريطة العمل والوظائف

درعا/ رجاء مختار

عُرفت محافظة درعا، لعقود بأنها سلة زراعية أساسية في سوريا، تشهد سوق العمل تحوّلات لافتة فرضتها سنوات الصراع وتراجع القطاعات التقليدية، لكنها في الوقت نفسه أفرزت خيارات جديدة في الوظائف والمهن، أعادت تشكيل مفهوم العمل لدى شريحة واسعة من الشباب والنساء. فبين الحاجة والابتكار، بدأت مهن لم تكن مألوفة سابقاً تجد طريقها إلى الحياة اليومية، وتتحول من حلول مؤقتة إلى مصادر رزق مستقرة نسبياً.

في أحد أحياء مدينة درعا، يجلس سامر، وهو شاب في أواخر العشرينات، خلف حاسوبه المحمول داخل غرفة صغيرة في منزل عائلته. قبل سنوات، كان يعمل في محل لبيع الأدوات الزراعية، لكن تراجع الحركة التجارية دفعه إلى البحث عن بديل. تعلّم سامر تصميم الغرافيك عبر الإنترنت، وبدأ بتنفيذ أعمال بسيطة مقابل أجور متواضعة.

اليوم، يعمل مع زبائن من خارج المحافظة، وأحياناً من خارج البلاد. “لم أتخيل يوماً أن عملي سيكون من البيت”، يقول سامر، مضيفاً أن العمل الحر عبر الإنترنت منحه دخلاً أفضل واستقراراً نسبياً مقارنة بوظائف كثيرة داخل السوق المحلي.

هذا التحول نحو العمل الرقمي لم يعد حالة فردية في درعا. فمع انتشار الإنترنت، ولو بحدود متفاوتة، بدأ عدد متزايد من الشباب بتعلّم مهارات مثل الترجمة، إدارة صفحات التواصل الاجتماعي، إدخال البيانات، وصيانة البرمجيات.

هذه المهن لا تحتاج إلى رأس مال كبير، لكنها تتطلب وقتاً للتعلّم وصبراً لبناء سمعة مهنية، وهو ما وجد فيه كثيرون بديلاً عن البطالة أو العمل الموسمي غير المستقر.

في الريف الشرقي، حيث تضررت الزراعة بشكل كبير بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج وشح الموارد، ظهرت مهن جديدة مرتبطة بالتصنيع الغذائي المنزلي. أم لؤي، وهي ربة منزل في الأربعينات، بدأت قبل عامين بصناعة المربيات ودبس الرمان في مطبخ بيتها.

في البداية، كانت تبيع منتجاتها للجيران فقط، ثم توسعت الدائرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. “لم أكن أعتبر ما أفعله عملاً”، تقول، “لكن مع الوقت صار مصدر دخل أساسي”. اليوم، تشغّل أم لؤي امرأتين من قريتها، في نموذج صغير يعكس تحوّل العمل المنزلي إلى نشاط اقتصادي فعلي.

كما برزت في درعا مهن مرتبطة بالخدمات، خاصة تلك التي تلبي احتياجات المجتمع اليومية في ظل ضعف البنية الخدمية. فمهن مثل صيانة الأجهزة الكهربائية، إصلاح أنظمة الطاقة الشمسية، وتركيب مضخات المياه أصبحت مطلوبة بشكل متزايد.

وفي مدينة الصنمين، يروي خالد، وهو فني كهرباء شاب، أن الإقبال على الطاقة الشمسية فتح له باب رزق لم يكن متوقعاً. “تعلمت تركيب الأنظمة من خلال العمل مع فنيين آخرين”، يقول، مشيراً إلى أن الطلب المتزايد جعله يطوّر مهاراته ويؤسس فريقاً صغيراً للعمل.

النساء أيضاً دخلن بقوة إلى سوق العمل الجديد، ليس فقط عبر المشاريع المنزلية، بل من خلال مهن خدمية وتعليمية. في إحدى بلدات ريف درعا الغربي، افتتحت هناء مركزاً صغيراً لتعليم الأطفال دروساً تقوية. بعد أن كانت معلمة مدرسة، وجدت نفسها بلا عمل منتظم، فحوّلت غرفة في منزلها إلى صف دراسي. “الأهالي بحاجة لمن يساعد أبناءهم”، تقول، موضحة أن المشروع وفر لها دخلاً وساعد عشرات الطلاب على تحسين مستواهم التعليمي.

ومن بين المهن التي بدأت بالانتشار أيضاً، العمل في النقل الخفيف والتوصيل. مع توسع التجارة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ظهرت حاجة إلى شبكات توصيل محلية. محمود، وهو شاب يملك دراجة نارية، يعمل على توصيل الطلبات بين القرى والمدينة. “لم أكن أظن أن التوصيل يمكن أن يكون مهنة”، يقول، “لكن الطلب كبير، خاصة مع انتشار البيع الإلكتروني المحلي”.

في المقابل، لم تختفِ المهن التقليدية، لكنها تغيّرت في شكلها. فالزراعة، رغم تراجعها، بدأت تتجه نحو أساليب أقل كلفة وأكثر مرونة، مثل الزراعة المنزلية أو البيوت البلاستيكية الصغيرة. بعض الشباب عادوا إلى الأرض، لكن بعقلية مختلفة، تجمع بين التجربة المحلية والمتابعة عبر الإنترنت لأساليب حديثة.

يرى مختصون في الشأن الاقتصادي المحلي أن هذه التحولات تعكس قدرة المجتمع على التكيّف، لكنها في الوقت نفسه تبرز غياب التخطيط الرسمي لسوق العمل. فمعظم هذه المهن نشأت بشكل فردي، دون إطار قانوني أو دعم مؤسسي، ما يجعلها عرضة للتقلبات. ومع ذلك، فإنها وفّرت فرصاً حقيقية لآلاف الأسر، وساهمت في تخفيف حدة البطالة.

يواجه العاملون في هذه المهن الجديدة تحديات عديدة، من بينها ضعف التمويل، وغياب التدريب المنظم، وصعوبة الوصول إلى أسواق أوسع. لكن قصص النجاح الصغيرة تشجع آخرين على المحاولة. في درعا اليوم، لم يعد السؤال “أين أجد وظيفة؟” بل “كيف أخلق فرصة؟”.

بين العمل الرقمي، والمشاريع المنزلية، والمهن الخدمية المتخصصة، تتشكل في درعا خريطة جديدة لسوق العمل، تعكس واقعاً مختلفاً عما كان سائداً قبل سنوات. ورغم الصعوبات، تشير هذه التحولات إلى أن المحافظة، التي أنهكتها الأزمات، ما تزال قادرة على إنتاج خيارات جديدة للحياة والعمل، مستندة إلى روح المبادرة، والاعتماد على الذات، والبحث المستمر عن بدائل ممكنة.

- Advertisement -

- Advertisement -