طهران
تتواصل المظاهرات الواسعة في إيران لليوم الثالث عشر على التوالي، في ظل تصعيد سياسي وأمني متزايد، وقطع شبه كامل لخدمة الإنترنت، وتضارب الروايات حول حجم الخسائر البشرية، وسط تحذيرات دولية من استخدام العنف ضد المتظاهرين، وتصريحات أمريكية تصف الوضع داخل البلاد بأنه “حرج وخطير”.
وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن إيران “في ورطة كبيرة” مع استمرار الاحتجاجات الشعبية، معتبراً أن الشعب الإيراني “يبدو بصدد السيطرة على مدن معينة”، وهو ما وصفه بأنه تطور لم يكن متوقعاً قبل أسابيع قليلة.
وحذّر ترامب القيادة الإيرانية من استخدام القوة، قائلاً: “من الأفضل ألا تبدأوا بإطلاق النار، لأننا سنبدأ بإطلاق النار أيضاً”، مضيفاً أن أي تدخل أمريكي محتمل لن يكون عبر قوات برية، بل من خلال “ضربات قوية في موضع الألم” إذا ما استمر قتل المتظاهرين.
في المقابل، نفى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ما تردد عن “هروب أسرته إلى لبنان”، مؤكداً أن زوجته وعائلته موجودون في طهران، وأنه سيعود إليها لاحقاً في اليوم نفسه.
واتهم عراقجي الولايات المتحدة وإسرائيل بـ”التحريض” على الاضطرابات، معتبراً أن بعض المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين يسعون إلى تحويل احتجاجات اقتصادية إلى اضطرابات أمنية.
وميّز بين ما وصفهم بـ”المتظاهرين الاقتصاديين العاديين” و”المحرّضين”، مشيراً إلى أن احتمال تدخل عسكري خارجي لدعم الاحتجاجات “ضعيف” ومعتبراً ذلك “تكراراً لتجارب فاشلة”.
ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، حذّر المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي من أن السلطات الإيرانية “لن تتراجع أمام المخربين”، مؤكداً أن السلطات ستواجه ما وصفه بـ”مثيري الفتن” بحزم.
وأصدر الحرس الثوري بياناً شدد فيه على أنه لن يتسامح مع استمرار الوضع الحالي، بينما حذّر التلفزيون الرسمي الإيراني أولياء الأمور من السماح لأبنائهم بالمشاركة في الاحتجاجات، متحدثاً عن مخاطر أمنية محتملة.
في السياق ذاته، صعّدت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية من لهجتها، حيث وصفت المتظاهرين في بعض تقاريرها بـ”الإرهابيين المسلحين” بعد أن كانت تشير إليهم سابقاً على أنهم “مثيرو شغب”.
ونشرت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية لقطات لمواجهات مسلحة، ومقاطع تُظهر معتقلين معصوبي الأعين وبجوارهم أسلحة، إضافة إلى مقابلات مع عائلات أفراد أمن قُتلوا خلال الاضطرابات، فيما لم تتطرق التغطية الرسمية إلى وفيات المدنيين التي تُتهم قوات الأمن بالتسبب بها.
وأكدت الحكومة الإيرانية أنها قطعت الإنترنت بشكل “متعمد”، موضحة أن القرار اتخذته “السلطات الأمنية” بسبب “الظروف السائدة في البلاد”.
وأفادت منظمة “نت بلوكس” المتخصصة بمراقبة الإنترنت بأن إيران تجاوزت 24 ساعة من الانقطاع شبه الكامل، حيث لم يتجاوز الاتصال 1% من معدلاته الطبيعية.
وأدى هذا الانقطاع إلى صعوبة بالغة في الحصول على معلومات دقيقة من داخل البلاد، في ظل منع معظم وسائل الإعلام الدولية من العمل الصحفي داخل إيران.
ورغم الحجب، بدأت خلال الساعات الماضية بالظهور مقاطع فيديو جديدة للاحتجاجات، أكد صحفيون ونشطاء وصول بعضها عبر مستخدمين لخدمة “ستارلينك” للإنترنت عبر الأقمار الصناعية، رغم حظرها رسمياً في إيران.
وتم التحقق من صحة عدد من هذه المقاطع، التي أظهرت مظاهرات في وسط طهران، وهتافات مؤيدة لعودة حكم الشاه بهلوي، إضافة إلى مشاهد لإشعال نيران في مبانٍ حكومية وسيارات شرطة، وإضرام شعلة يدوية وسط تصفيق المتظاهرين.
وشهدت مدن عدة احتجاجات جديدة، من بينها منطقة سعادت آباد شمال غربي طهران، حيث أظهرت مقاطع مصورة متظاهرين يقرعون الأواني ويهتفون بشعارات مناهضة للسلطات وللمرشد الأعلى، وفي مدينة رشت، رشق متظاهرون مقرّاً لقوات الباسيج بالحجارة، مرددين هتافات “الموت للديكتاتور” و”جاويد شاه”.
وفي تطور لافت، دعا رضا بهلوي، نجل شاه إيران الراحل والمقيم في المنفى، الإيرانيين في الخارج إلى لعب دور “محوري” في دعم الاحتجاجات، من خلال التواصل مع الحكومات ووسائل الإعلام العالمية، وتبادل المعلومات لضمان استمرار التغطية الدولية.
وقال في مقطع فيديو نشره على منصة “إكس” إن “صوت الشعب الإيراني يجب ألا يُسكت على المستوى الدولي”، مشيراً إلى أن كثيراً من المتظاهرين داخل إيران يطالبون بعودته إلى الحكم.
على الصعيد الإنساني، قالت منظمات حقوقية إن العشرات قُتلوا والمئات اعتُقلوا منذ اندلاع الاحتجاجات في 28 كانون الأول الماضي.
وأفادت وكالة “هرانا” الحقوقية بمقتل ما لا يقل عن 48 متظاهراً و14 من أفراد الأمن، فيما تحدثت منظمة “حقوق الإنسان في إيران” عن مقتل 51 متظاهراً، بينهم تسعة أطفال.
وحذّرت الناشطة الإيرانية الحائزة على جائزة نوبل للسلام شيرين عبادي من أن قطع الاتصالات “ليس عطلاً تقنياً، بل تكتيك”، معربة عن خشيتها من استعداد قوات الأمن لارتكاب “مجزرة في ظل الانقطاع الواسع للاتصالات”.
وقالت إنها تلقت معلومات عن نقل مئات المصابين إلى مستشفيات في طهران جراء إصابات خطيرة في العيون، نتيجة استخدام بنادق خرطوش.
وفي موقف دولي مشترك، أدان قادة فرنسا وألمانيا وبريطانيا مقتل متظاهرين في إيران، داعين السلطات إلى “الكف عن استخدام العنف”، والتزام مسؤوليتها في حماية أرواح المواطنين وضمان حرية التعبير والتجمع السلمي دون خوف من الانتقام.
وفي خضم هذه التطورات، أُعلن عن مقتل مدعي عام إسفرايين في محافظة خراسان الشمالية وعدد من عناصر الأمن، بعد أن أُضرمت النار في المبنى الذي كانوا يوجدون فيه، بحسب ما أعلنت السلطة القضائية الإيرانية، التي توعدت بعقوبات “قاسية وحازمة” بحق من وصفتهم بـ”المخربين”.
ومع استمرار انقطاع الإنترنت، وبقاء التحقق المستقل من الوقائع محدوداً، تتواصل الاحتجاجات في إيران وسط تصعيد داخلي وضغوط دولية، في واحدة من أكبر موجات التحدي التي تواجه النظام منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979.