صباح خليل
تشكل قضية حقوق المرأة في الوصاية على أبنائها في سوريا واحدة من أبرز مظاهر التمييز القانوني والاجتماعي، فبينما ينص قانون الأحوال الشخصية رقم 59 لسنة 1953 على حق الأم في حضانة الأطفال حتى سن معينة، فإن الوصاية القانونية الكاملة، بما فيها اتخاذ القرارات الأساسية في حياة الطفل، تُمنح للأب بشكل تقليدي.
وهذه القاعدة، التي تدعمها الاجتهادات القضائية وممارسات المحاكم، تجعل الأم غالباً مجرد “حاضنة” وليست الوصي القانوني، رغم أنها الأكثر قدرة على رعاية الطفل وحمايته.
الأمر لا يتوقف عند النصوص القانونية وحدها، بل يمتد ليشمل التطبيقات الإجرائية والتعميمات الأخيرة الصادرة عن وزارة العدل في الحكومة السورية الانتقالية، والتي أعادت التأكيد على أن الأب أو الأقارب الذكور هم من يتحكمون في القرارات الأساسية المتعلقة بالطفل.
التعميم الأخير لعام 2025، على سبيل المثال، ألغى عملياً أي دور للأم في الوصاية القانونية فيما يتعلق بالإجراءات الإدارية والسفر، حتى في الحالات التي تكون الأم فيها الحاضنة الوحيدة والمسؤولة عن تربية الطفل.
هذا الإجراء لا يعكس فقط انتهاكاً لمبدأ العدالة والمساواة، بل يتعارض أيضاً مع مصلحة الطفل الفضلى، وهو المعيار الذي تشدد عليه الاتفاقيات الدولية مثل اتفاقية حقوق الطفل واتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة (سيداو).
الواقع الميداني يزيد الطين بلة، فالنزاع في سوريا أدى إلى غياب الآباء عن حياة أبنائهم نتيجة القتل أو الاعتقال أو الهجرة، ما جعل الكثير من النساء يتحملن مسؤولية تربية الأطفال دون أن يمتلكن الصلاحيات القانونية لاتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بحياتهم.
وفي هذه الحالات، يصبح القانون أداة تهميش بدل أن يكون وسيلة لحماية الأطفال، حيث يُجبر الطفل على التعامل مع قيود إدارية تعيق حريته وحماية الأم القانونية.
الأمر يزداد سوءاً عندما نأخذ بعين الاعتبار الاجتهاد القضائي والاجتماعات التقليدية التي غالباً ما تميل إلى تفسير القانون بما يخدم الأعراف الاجتماعية الذكورية، وليس بما يحقق العدالة أو مصلحة الطفل.
القضاة في كثير من الأحيان يتجاهلون الواقع المعيش للطفل، ويستندون إلى ترتيب نصي قديم يجعل الأب أو الأقارب الذكور هم وحدهم أصحاب القرار، بغض النظر عن قدرة الأم على توفير بيئة رعاية أفضل وأكثر أمانًا.
إن تطبيق القانون بهذا الشكل لا يُظهر فقط تمييزاً جنسياً صارخاً، بل يعكس أيضاً قصوراً في النظر إلى واقع الأسر السورية المعقدة، حيث تشكل الأمهات غالبية رعاة الأطفال بعد الطلاق أو في حالات غياب الزوج.
إن اعتبار الأب كولي أمر دائم، حتى عندما يكون غائباً أو عاجزاً أو غير مؤهل، هو إصرار على إدامة هيمنة قانونية تقليدية على حساب المصلحة الإنسانية للأطفال.
الأمثلة على هذا التمييز كثيرة، من منع الأم من اتخاذ قرارات طبية عاجلة إلى حظر سفر الأطفال مع الأم بدون إذن الأب أو ولي أمر ذكوري، ما يعكس استهانة بالقوانين الدولية التي تؤكد على حق الطفل في الحماية والرعاية والأمومة.
ويضع هذا الوضع الأم في موقع ضعيف، ويجعلها تعتمد على الاجتهادات الشخصية للقضاة أو على تدخلات المحاكم لتثبيت حقها في القرارات الأساسية المتعلقة بأطفالها، وهي عملية غالباً ما تكون مرهقة ومعقدة ومرتبطة بنفوذ اجتماعي أكثر من حق قانوني.
من هذا المنطلق، يصبح من الضروري أن تتم مراجعة قانون الأحوال الشخصية بشكل جذري، بحيث تضع مصلحة الطفل الفضلى في قلب أي قرار يتعلق بالحضانة أو الوصاية، وليس الترتيب التقليدي للأقارب الذكور.
كما يجب توفير آليات تمكين قانوني للنساء، تشمل التوعية بحقوقهن، وإتاحة الدعم القانوني الكامل، وتطوير محاكم أسرية أكثر حساسية للقضايا النسوية.
إن تجاهل هذه القضايا واستمرار التمييز القانوني لا يؤثر فقط على النساء، بل على المجتمع ككل، إذ يرسخ هيمنة النظام الأبوي على الأسرة ويحد من فرص الأطفال في الحصول على رعاية متكاملة ومتوازنة.
ولتحقيق العدالة الحقيقية، يجب أن تُصبح الأم شريكاً فعلياً في الوصاية، وأن يُعاد النظر في النصوص والإجراءات بما يتماشى مع مبادئ حقوق الإنسان الدولية، ويعكس الواقع الاجتماعي السوري المعاصر.