لكل السوريين

السودان بعد مبادرة لرئيس الوزراء… تعقيدات الحرب ورهانات السلام

قدّم رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، خلال جلسة مفتوحة لمجلس الأمن الدولي، مبادرة للحل السياسي في بلاده، تهدف إلى إنهاء الصراع القائم بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

وشملت المبادرة عدداً من النقاط الأساسية، بينها وقف إطلاق النار تحت رقابة مشتركة من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، وانسحاب قوات الدعم السريع من المناطق التي تسيطر عليها وتسليم أسلحتها، وإعادة دمج عناصرها في الجيش الوطني.

كما تضمنت المبادرة إطلاق حوار شامل بين الأطراف السودانية، يهدف إلى التوصل إلى اتفاق على انتقال ديمقراطي، مع عقد مؤتمرات دولية لإعادة ترسيخ السلم الاجتماعي والمصالحة، إضافة إلى مؤتمرات محلية تتفق خلالها القوى السياسية على إدارة الدولة وحكم البلاد، يعقبها إجراء انتخابات عامة.

تباينت ردود الفعل حول المبادرة بين مؤيد ورافض ومتردد، حيث رفضها “تحالف تأسيس” الموالي لقوات الدعم السريع، معتبرين أن الشروط الواردة تمثل “شروط استسلام” وليست إطاراً لتحقيق السلام، وقالوا إن المبادرة غير واقعية وتمثل هروباً من مبادرة الرباعية الدولية التي طرحت لوقف الحرب، مؤكّدين أنها لا تختلف عما قدمته جماعة الإخوان المسلمين في شباط الماضي.

كما رفض “تحالف القوى المدنية”، الذي يقوده رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، التعاطي مع المبادرة كإطار لحل الأزمة، واعتبر أنها قد تفتح الباب أمام “التبضع في سوق المبادرات” لأغراض سياسية، بهدف تحسين صورة سلطة بورتسودان، في الوقت الذي تُهمش فيه المبادرة الأكثر جدية لإيقاف إطلاق النار.

ولم تقتصر الردود الرافضة على المعسكر المناوئ للحكومة السودانية، بل شملت فصائل من داخل الحكومة نفسها، حيث رفض حاكم إقليم دارفور ورئيس حركة تحرير السودان المشاركة في المبادرة، معتبرين أن المقترح قد يؤدي إلى تقسيم السودان.

في الوقت نفسه، لوّحت مصر بإمكانية تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك بينها وبين السودان، وهو التطور الذي أثار حفيظة قوات الدعم السريع، وجاءت هذه التحركات خلال زيارة قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، إلى القاهرة، حيث رسمت السلطات المصرية خطوطاً حمراء تتعلق برفض تقسيم السودان أو إنشاء كيانات موازية أو المساس بمؤسسات الدولة.

وأكد مسؤول استخباراتي سوداني سابق أن الاتفاقية لا تزال سارية وتعمل وفق مراحل متدرجة تتناسب مع حجم التهديد، في حين اعتبرت قوات الدعم السريع أن تحركات البرهان تمثل تصعيداً سياسياً وأمنياً ويزيد من تعقيد الأزمة.

وأشار مصدر رفيع من القوات إلى أن أي تفعيل لاتفاقيات الدفاع المشترك بين الجيش المصري والجيش السوداني سينظر إليه باعتباره ترتيبات أحادية تقوّض فرص الحل السياسي، واعتبر الدعم المصري للجيش السوداني بمثابة إعلان حرب على قوات الدعم السريع، داعياً إلى حوار مباشر مع القاهرة بدل التدخل العسكري.

وتأتي هذه التطورات في وقت يظل فيه مسار المبادرة الرباعية الدولية متوقفاً، والتي تضم الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة، وتهدف إلى معالجة الأزمة السودانية من زاويتين سياسية وإنسانية، عبر تحقيق هدنة تقود إلى وقف دائم لإطلاق النار وإعادة مسار الانتقال السياسي المدني.

وتشمل المبادرة الرباعية العودة الآمنة للنازحين واللاجئين، والمحاسبة على الجرائم المرتكبة، وإعادة الإعمار، ونزع السلاح خارج سيطرة الدولة، وحواراً سودانياً يمهد لإجراء انتخابات عامة تحت إشراف دولي، وقد حظيت المبادرة بدعم داخلي وإقليمي واسع من أكثر من مئة دولة ومنظمة دولية، بما فيها الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة. كما دعت قوى مدنية وديمقراطية سودانية، مثل تحالف “صمود”، طرفي الصراع للاستجابة الفورية لمقترح الهدنة الإنسانية التي طرحتها المبادرة.

وفي المقابل، قدم الجيش السوداني خطته الخاصة لوقف الحرب إلى الأمم المتحدة والمجموعة الرباعية، متوعداً بمواصلة القتال ما لم تنسحب قوات الدعم السريع إلى ولايتين في دارفور وتسلم أسلحتها، وبينما ترى قوات الدعم السريع والقوى المدنية أن المبادرة هي الحل الحقيقي وأن رفضها يهدف إلى إطالة أمد الحرب، تعتبر سلطة بورتسودان أن التعامل الرسمي مع المبادرة يتعارض مع السيادة الوطنية ويشكل تجاوزاً لمؤسسات الدولة.

وتجدر الإشارة إلى أن الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع اندلعت في نيسان 2023، وتسببت في مقتل عشرات الآلاف ونزوح أكثر من 13 مليون شخص داخل السودان وخارجه، وبينما تتشابك مصالح الأطراف المتقاتلة والضغوط الدولية على البلاد، يبقى التفاوض هو الطريق المنطقي الوحيد لإنهاء النزاع، رغم أن أفق الحل يظل مرتبطاً بمواقف الأطراف وبتوازن القوى الإقليمية والدولية المؤثرة في الأزمة.

- Advertisement -

- Advertisement -