لكل السوريين

بسطات الرقة تكسر الأسعار وتربك السوق… رزق يومي في مواجهة التنظيم والأزمة المعيشية

غادة علي – الرقة

تشهد مدينة الرقة في الآونة الأخيرة توسعاً ملحوظاً في ظاهرة البسطات المنتشرة على الأرصفة وفي الساحات العامة، في مشهد يعكس تحولاً واضحاً في سلوك الاستهلاك لدى السكان، الذين باتوا يتجهون بشكل متزايد نحو هذه البسطات بحثاً عن أسعار أقل تتناسب مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، في ظل أوضاع اقتصادية ومعيشية متدهورة.

هذا التحول لا يعكس فقط ضائقة اقتصادية تعيشها الأسر، بل يفتح الباب أمام تساؤلات عديدة تتعلق بالفروقات السعرية بين البسطات والمحلات التجارية، وجودة المنتجات المعروضة، إضافة إلى تأثير هذه الظاهرة على حركة السوق المحلي وعلى أصحاب المحال التجارية الذين يرون فيها تهديداً مباشراً لأرزاقهم.

وتزامناً مع الانتشار الواسع للبسطات، تشهد شوارع مدينة الرقة أزمة مرورية خانقة، يعزوها السكان وأصحاب المحال إلى احتلال الأرصفة وأطراف الطرق من قبل الباعة الجوالين، الأمر الذي يعيق حركة السير ويضيق المساحات المخصصة للمشاة.

وفي هذا السياق، أوضحت بلدية الشعب في مدينة الرقة أن هناك قرارات وإجراءات تتخذ لمعالجة هذه المشكلة، وتنظيم انتشار البسطات بما يخفف من الضغط المروري ويحافظ على النظام العام في الشوارع.

وتكاد أرصفة معظم الطرق الرئيسية في المدينة تخلو من مساحاتها المخصصة للمشاة، بعد أن تحولت إلى مواقع لعرض البضائع، حيث يفرش الباعة منتجاتهم أمام المحال التجارية، ما يخلق حالة من التداخل بين التجارة النظامية وغير النظامية.

 رزق يومي بلا بديل

محمد الحمود، صاحب بسطة خضروات على عربة خشبية، تحدث لصحيفة “السوري” عن معاناته اليومية، موضحاً أنه يتنقل بين الشوارع والساحات بحثاً عن مكان يضع فيه دراجته ليتمكن من بيع بضاعته، لكنه يجد نفسه في كل مرة مهددا بالمنع أو المخالفة.

وقال الحمود إنه مُنع من الوقوف في الشارع الرئيسي، ثم في الساحات العامة، ما جعله في حيرة من أمره حول المكان الذي يمكنه العمل فيه، مؤكداً أنه منذ صدور القرار بمخالفة البسطات تراجع دخله بشكل كبير، الأمر الذي أثر بشكل مباشر على معيشته.

وأشار الحمود إلى أن السبب الرئيسي الذي دفعه للعمل على البسطة هو عدم قدرته على استئجار محل في السوق، نظراً لارتفاع الإيجارات، حيث يبلغ إيجار محل صغير في أحد الشوارع الرئيسية نحو 200 دولار أمريكي كحد أدنى، وقد يرتفع أكثر بحسب الموقع والمساحة.

وأضاف أن البسطة تمثل مصدر رزقه الوحيد في ظل الظروف الاقتصادية القاسية، مؤكدا رفضه لإزالتها دون توفير بديل مناسب، قائلاً: “أنا أبحث فقط عن قوت يومي”.

من جانبه، قال خالد العيسى، صاحب بسطة أحذية في شارع تل أبيض، إنه يعمل في هذا المكان منذ أكثر من ثلاث سنوات، ويبيع نفس المنتجات وبنفس الجودة الموجودة في المحلات، مؤكداً أن معظم البضائع هي من ماركات معروفة.

وأوضح العيسى أنه اتجه للعمل على البسطة بسبب البطالة وعدم امتلاكه شهادة علمية تؤهله للعمل الوظيفي، مشيراً إلى أن البسطة شكلت له مشروعاً صغيراً لا يتطلب إمكانات كبيرة.

وأضاف أن أسعار البضائع على البسطة أقل من المحلات، وهو ما يجعلها مرغوبة لدى المارة، موضحا أن الحذاء الذي يبلغ سعره في المحل نحو 50 ألف ليرة سورية، يبيعه هو بسعر 40 ألف ليرة، وأن دخله اليومي يتراوح وسطياً بين 100 ألف و150 ألف ليرة سورية.

في المقابل، عبّر عدد من أصحاب المحال التجارية عن آرائهم المتباينة حول تأثير البسطات على السوق، فقد قال مصطفى، صاحب محل أقمشة في شارع تل أبيض، وليث صاحب محل أحذية، إن البسطات تؤثر سلباً على أعمالهم لأنها تسحب الزبائن، وتبيع بأسعار أقل لكونها لا تدفع رسوماً أو ضرائب أو تكاليف كهرباء.

أما خليل الإبراهيم، صاحب محل ألبسة رجالية في شارع الأماسي، فكان رأيه مختلفا، إذ قال إن البسطات لا تؤثر عليه، معتبرا أن “الرزق على الله”، بل يرى أنها تحرك السوق وتزيد من الحركة التجارية.

في حين عبّر عبد الكريم الجاسم، صاحب محل أيضاً، عن موقف أكثر تشددا، معتبراً أن البسطات “تجلب المشكلات وتنفّر الزبائن”، موضحاً أن زبون البسطة عابر، بينما زبائن المحال ثابتون، وأن البسطات تستفيد من إنارة المحال وقربها منها دون تحمل أي تكاليف.

بدوره، قال أسعد الكرطة، صاحب محل ألبسة رجالية في شارع تل أبيض، إن البسطات تؤثر بشكل كبير على المحال من خلال كسر الأسعار وتشويه المظهر العام، مؤكداً أنه يدخل في مشاحنات متكررة مع أصحاب البسطات الذين يفرشون بضائعهم أمام محله.

وطالب الكرطة بلدية الشعب بالتدخل الجدي لمعالجة هذه الظاهرة، مقترحاً جمع البسطات في سوق واحدة مخصصة لهم، مع تحديد أيام عمل معينة لتنظيم العملية التجارية.

آراء الزبائن

أما الزبائن، فتباينت آراؤهم بين مؤيد ومعارض، بشرى، وهي ممرضة ولديها ثلاثة أولاد، قالت إنها تشتري الكثير من ملابسها وملابس أطفالها من البسطات بسبب رخص الأسعار مقارنة بالمحلات، مؤكدة أن الجودة لا تختلف كثيراً، خاصة أن البسطات غالباً ما تجلب بضائعها من المحلات المجاورة.

من جهتها، قالت أم عمر، ربة منزل ولديها أربعة أولاد، إنها تعتمد بشكل كبير على البسطات لتأمين احتياجات أسرتها، مشيرة إلى أن بعض السلع لا تتوفر أحيانا في المحلات.

في المقابل، قال مدين، وهو طالب في السنة الثالثة في المعهد الفرنسي، إنه لا يشتري من البسطات بسبب ما يعتبره بضائع مغشوشة وغير مكفولة، إضافة إلى شعوره بالحرج أثناء الوقوف لمعاينة هذه البضائع في الشارع.

ويرى مختصون أن تحقيق التوازن بين ضبط الأسعار، وحماية المستهلك، وتنظيم البسطات في مدينة الرقة، يتطلب مزيجاً من التدخل المباشر والتنظيم الهيكلي، عبر تكثيف دوريات حماية المستهلك لمراقبة الأسعار وجودة السلع، وإلزام الباعة بوضع قوائم أسعار واضحة.

وفي رد رسمي، قال رئيس قسم الضابطة العامة في بلدية الشعب في الرقة، صالح عبد الكريم، في تصريح لصحيفة “السوري”، إن ظاهرة انتشار البسطات تُعد ظاهرة أساسية في ظل الجوع والبطالة واحتكار رأس المال، واستغلال الوضع السياسي والتخبطات الحاصلة، ما جعل البسطات منفذاً أساسياً للمستهلكين بسبب انخفاض أسعارها مقارنة بالمحلات التجارية.

وأوضح عبد الكريم أن المحلات تترتب عليها مصاريف إضافية، في حين تعتمد البسطات على الجهد العضلي فقط، ما يجعل هامش أرباحها أقل.

وأضاف أن الظاهرة تعود سلباً على أصحاب المحلات، لدرجة أن بعض أصحاب البسطات هم في الأصل أصحاب محلات تجارية، خاصة في الأسواق الشعبية.

وأشار إلى أن الحركة في أسواق الرقة تبدو نشطة من حيث الكثافة البشرية، لكنها حركة غير تجارية في معظمها، حيث تتجه غالباً نحو الخدمات الطبية، في ظل شبه توقف للحركة التجارية نتيجة تردي الوضع المعيشي.

وبيّن عبد الكريم أن المنطقة تعتمد بنسبة كبيرة على الزراعة، يليها العمالة، وأخيراً التجارة، ما أدى إلى تراجع النشاط التجاري والتوجه نحو البسطات.

وأكد أن الأزمة الاقتصادية والحصار المفروض على المنطقة تسبباً بفوضى سعرية في الأسواق، نتيجة التكاليف المرتفعة لإدخال المواد عبر المعابر الحدودية، مشيراً إلى أن البلدية تعمل حالياً على تطبيق لوائح سعرية من قبل الإدارة، وإلزام أصحاب المحال بوضعها بشكل واضح.

وأضاف أن الإدارة تطرح مشاريع اقتصادية لدعم الاقتصاد المجتمعي ومكافحة البطالة، وأن هناك خططاً مستقبلية لتخصيص ساحات خاصة لأصحاب البسطات وتنظيمها بشكل أفضل، بما يحقق التوازن بين حق الباعة في العمل وحق المدينة في التنظيم.

- Advertisement -

- Advertisement -