حاوره/ مجد محمد
بعد سنوات من الحرب والنزاع، أصبحت سوريا في حاجة ماسة إلى إعادة بناء علاقات الثقة بين مكوناتها المختلفة، وتعزيز قيم السلم الأهلي والتعايش المشترك، هذا التعايش ليس فقط خياراً بل هو ضرورة إذا كانت سوريا تريد أن تنهض من جديد وتستعيد مكانتها كدولة حاضنة لكل أبنائها.
يعتبر السلم الأهلي والتعايش المشترك في سوريا ضرورة لا غنى عنها لتحقيق الاستقرار والبناء المستدام، رغم التحديات الجسيمة التي تواجه البلاد، يبقى الأمل في أن الجهود المشتركة بين السوريين أنفسهم وبين المجتمع الدولي ستؤدي إلى بناء سوريا المستقبل، التي تضمن حقوق جميع أبنائها وتستعيد مكانتها كدولة مزدهرة ومتعايشة.
إن العمل من أجل السلام لا يتطلب فقط اتفاقات سياسية أو قرارات رسمية، بل يتطلب تغييراً حقيقياً في النظرة الفردية والجماعية نحو الآخر، السعي لبناء سوريا يسودها التفاهم والاحترام المتبادل هو الطريق الوحيد للنجاح.
كيف يمكننا تحقيق ذلك في وقتنا الحالي؟ ما هي التحديات التي تواجهنا؟ وكيف يمكننا أن نبني جسراً من التفاهم بين جميع السوريين بغض النظر عن خلفياتهم؟ في هذا الحوار الذي اجرته صحيفتنا “السوري” مع العضو في جمعية الإخاء الاجتماعية عمار منيرجي، نسلط الضوء على هذا الموضوع المهم ونسعى لاستخلاص بعض الحلول الواقعية والممكنة.
*بداية، كيف تعرف السلم الأهلي وما هي أهميته في السياق السوري الحالي؟
السلم الأهلي هو الحالة التي يسود فيها الاحترام المتبادل والتعايش السلمي بين جميع فئات المجتمع بغض النظر عن اختلافاتهم العرقية أو الدينية أو الطائفية، في الحالة السورية، السلم الأهلي يتجاوز مجرد غياب النزاع أو الحرب، بل يشمل عملية إعادة بناء الثقة بين مختلف المكونات التي تأثرت من جراء سنوات طويلة من الصراع، في سياقنا الحالي يعد السلم الأهلي خطوة حاسمة نحو إنهاء التوترات العميقة التي نشأت بعد سنوات من الحرب، وإعادة الأمل لملايين السوريين الذين فقدوا ثقتهم في بعضهم البعض وفي المستقبل، إن السلم الأهلي هو الأساس الذي يمكن أن يعيد الحياة الطبيعية للمجتمعات المحلية، ويساعد في العودة إلى الحياة اليومية بعيداً عن العنف والصراعات، من دون هذا الأساس، سيكون من الصعب بناء أي نوع من الاستقرار الاجتماعي أو السياسي في سوريا.
*ما هي التحديات التي تواجه تحقيق السلم الأهلي في سوريا اليوم؟
التحديات التي تواجه تحقيق السلم الأهلي في سوريا عديدة ومعقدة، أولاً هناك التوترات الطائفية والعرقية التي ظهرت جراء النزاع الطويل، والتي خلقت مشاعر من الشكوك العميقة بين الجماعات المختلفة، فهناك من يرى الآخر على أنه تهديد لوجوده، سواء كان ذلك على أساس ديني أو عرقي، هذه المشاعر تتطلب وقتاً طويلاً للشفاء، وثانياً هناك التأثيرات النفسية والاجتماعية الناتجة عن سنوات من الحرب، بما في ذلك صدمة الحرب، والتشريد، وفقدان الأفراد لعائلاتهم ومنازلهم، هذه الأوضاع تساهم في زيادة الاستقطاب والاحتقان الاجتماعي، وثالثاً المشكلة الاقتصادية تعد من أكبر العوامل التي تعرقل عملية بناء السلم الأهلي، فكلما كانت الحالة الاقتصادية صعبة، كلما أصبح الناس أكثر عرضة للتوتر والاحتكاك، وأصبح من الصعب تحقيق أي نوع من المصالحة أو التعاون بين الأطراف المختلفة، وأخيراً هناك السياسات الإقصائية التي تبنتها بعض الجهات في فترات سابقة، والتي زرعت مشاعر العداء والتفرقة بين مختلف مكونات المجتمع، التغلب على هذه السياسات يتطلب إرادة سياسية قوية ورؤية شاملة من جميع الأطراف لبناء الثقة.
*هل يمكن القول إن التعايش المشترك أصبح أكثر صعوبة بعد النزاع المسلح؟
بالتأكيد، النزاع المسلح جعل التعايش المشترك أكثر صعوبة، ليس فقط من الناحية الأمنية ولكن أيضًا من الناحية النفسية والاجتماعية، النزاع بين الأطراف المختلفة في سوريا خلق فجوات عميقة في الثقة بين المواطنين، البعض قد يكون قد فقد الأمل في إمكانية التعايش السلمي بعد سنوات من العنف والمذابح، لكن من جهة أخرى، يمكننا أن نرى أن بعض المناطق التي عانت بشكل خاص من هذا الصراع بدأت تشهد إشارات إيجابية نحو التعايش المشترك، التعايش في هذه المناطق غالباً ما يعتمد على نوع من المصالحة المحلية، أو بناء روابط جديدة بين الجيران من مختلف الأعراق والطوائف، ومع أن التحديات كبيرة، إلا أن هنالك دائماً أمل في أن نتمكن من بناء جسر من الثقة.
*ما هو دور الإدارة الذاتية في تعزيز السلم الأهلي؟
الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا تعد نموذجاً فريداً في تعزيز السلم الأهلي في المنطقة، دورها الأساسي يكمن في تطبيق سياسة شاملة تقوم على أسس المساواة والعدالة بين جميع مكونات المجتمع، الإدارة الذاتية لا تقتصر فقط على الجوانب السياسية والإدارية، بل تسعى أيضاً إلى تعزيز القيم الإنسانية والاجتماعية من خلال مشاريع إنسانية وتنموية مشتركة بين مختلف المكونات العرقية والدينية، ومن خلال هذه الإدارة نجد أن هناك اهتماماً كبيراً بتوفير فرص التعليم والعمل لجميع الأطراف بشكل متساوي، كما تركز على إشراك الجميع في صنع القرار من خلال مؤسسات محلية تمثل التنوع الموجود في المجتمع السوري، هذا النموذج يسهم في تهدئة التوترات المحلية ويساعد على بناء مجتمع متماسك ومؤسس على قيم التسامح.
*كيف يمكن تعزيز الثقة بين الأطراف المختلفة في المجتمع السوري؟
تعزيز الثقة يتطلب الكثير من الجهد والوقت، لكنه ليس مستحيلاً، أولاً يجب أن تبدأ هذه العملية من القاعدة الشعبية، من خلال تفعيل برامج حوارية وتشجيع المجتمعات على التفاعل مع بعضها البعض، كثير من الناس لا يعرفون بعضهم البعض بشكل حقيقي، وبالتالي فإن اللقاءات المباشرة والتجارب المشتركة تساعد في إزالة الحواجز النفسية، وثانياً من المهم أن تكون هناك مبادرات مشتركة بين الشباب من مختلف المكونات، مثل الفرق الرياضية والأنشطة الثقافية، هذه الأنشطة تخلق بيئة من التعاون والاحترام المتبادل، وثالثاً على المستوى الحكومي، يجب أن تكون هناك سياسات حقيقية تعكس التزامًا بالمساواة، وتعطي حقوق جميع المواطنين دون استثناء، يجب أن يشعر المواطنون أنهم جزء من عملية اتخاذ القرار وأن مصالحهم محمية.
*هل هناك تجارب ناجحة في مناطق سوريا تبرز التعايش المشترك والسلم الأهلي؟
نعم، رغم الظروف الصعبة، توجد العديد من التجارب الناجحة في بعض المناطق السورية التي استطاعت أن تبني جسراً من التفاهم بين مختلف المكونات، في شمال وشرق سوريا، على سبيل المثال، نجد أن العديد من المشاريع التي تركز على إشراك الجميع في التنمية المحلية قد حققت نجاحاً نسبياً، وهناك تجارب تعاونية بين المجتمعات العربية والكردية والسريانية، حيث يشاركون في برامج بناء السلام وإعادة الإعمار، كما شهدنا ورش عمل مشتركة بين الديانات المختلفة في بعض المدن والمناطق، حيث يتم مناقشة كيفية التعايش واحترام الآخر.
*كيف يمكن للمرأة أن تساهم في بناء السلم الأهلي والتعايش المشترك؟
المرأة في سوريا لطالما كانت جزءاً أساسياً من نسيج المجتمع، ودورها في بناء السلم الأهلي لا يقل أهمية عن دور الرجل، المرأة يمكن أن تكون جسراً للتواصل بين الفئات المختلفة، وقد أثبتت العديد من النساء في مناطق مختلفة في سوريا قدرتهن على جمع الأطراف المتنازعة في طاولة واحدة للحوار، ومن خلال دورها في المجتمع المحلي، يمكن للمرأة أن تسهم في تعزيز مفاهيم التسامح والقبول بالآخر، سواء كان ذلك من خلال الأنشطة المجتمعية أو من خلال تربية الأجيال الجديدة على قيم التعاون والسلام، النساء اللاتي شاركن في العملية السياسية أو المجتمعية في المناطق التي تسيطر عليها الإدارة الذاتية كان لهن دور كبير في بناء جسور الثقة بين مختلف المكونات.
*ما هي الخطوات اللازمة من قبل المجتمع الدولي لدعم السلم الأهلي في سوريا؟
المجتمع الدولي يجب أن يلعب دوراً أساسياً في دعم الجهود المحلية لتحقيق السلم الأهلي، أولاً يجب دعم المبادرات التي تهدف إلى تعزيز المصالحة الوطنية، وتقديم الدعم السياسي والمالي للمشاريع التي تجمع بين مختلف الأطراف السورية، وثانياً ينبغي للمجتمع الدولي أن يساند جهود الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية في توفير المساعدات الإنسانية والتطويرية للمناطق التي تأثرت بالحرب.
*ما هو الدور الذي تلعبه المنظمات غير الحكومية في تعزيز السلم الأهلي؟
المنظمات غير الحكومية، خاصة في مناطق الشمال الشرقي والشمال الغربي، تلعب دوراً محورياً في نشر ثقافة السلم الأهلي والتعايش، هذه المنظمات تقدم دعماً إنسانياً مستمراً، لكنها تتجاوز ذلك في تقديم برامج تدريبية وورش عمل للمعنيين في المجتمع المحلي حول كيفية التعامل مع قضايا النزاع، وتحقيق العدالة الانتقالية، ومن خلال هذه الأنشطة، تسهم هذه المنظمات في بناء الثقة بين مختلف الأطراف.
*هل تعتقد أن سوريا بحاجة إلى وثيقة وطنية جديدة تؤكد على قيم التعايش المشترك؟
نعم، أعتقد أن سوريا بحاجة ماسة إلى وثيقة وطنية جديدة تقوم على تعزيز قيم التعايش المشترك والعدالة الاجتماعية، هذه الوثيقة يجب أن تكون معبرة عن التنوع العرقي والديني الكبير في سوريا، وتؤكد على احترام حقوق الإنسان وحمايتها لجميع السوريين دون استثناء، بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تركز على تعزيز الوحدة الوطنية من خلال ضمان مشاركة فعالة لجميع مكونات المجتمع في العملية السياسية والقرارات المهمة، ومن المهم أن تتضمن الوثيقة أيضاً آليات للعدالة الانتقالية، بحيث يتم التعويض عن الأضرار التي لحقت بالأفراد والمجتمعات، ويشمل ذلك المفقودين والنازحين والضحايا من جميع الأطراف، إن هذه الوثيقة يمكن أن تكون بمثابة خارطة طريق للمستقبل، تمثل نقطة انطلاق لإعادة بناء الثقة بين السوريين، وتشكيل قاعدة متينة لبناء دولة ذات سيادة وكرامة للجميع.
*كيف يمكن تطوير التعليم ليعزز قيم السلم الأهلي والتعايش؟
التعليم هو الركيزة الأساسية لبناء أي مجتمع متسامح ومتعامل مع الآخر بشكل إيجابي، في سوريا يجب أن يكون النظام التعليمي محوراً لتعليم قيم التعايش المشترك منذ مرحلة الطفولة، يمكن تعديل المناهج الدراسية لتشمل مواد دراسية تركز على تاريخ سوريا المشترك، وتعزيز ثقافة التنوع والقبول بالآخر، وأيضاً من المهم أن يتم تدريب المعلمين على كيفية التعامل مع القضايا الحساسة، مثل النزاع بين الطوائف والعرقيات المختلفة، بطريقة تساهم في تهدئة الأجواء وتعزيز التعاون بين الطلاب، المدارس يجب أن تكون بيئة تعليمية آمنة تتيح للجميع التعبير عن أنفسهم بحرية، حيث يتعلم الطلاب كيفية بناء علاقات صحية مبنية على الاحترام المتبادل، وبالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تكون هناك برامج تعليمية مشتركة بين المدارس في المناطق المختلفة، تعنى بتعليم الطلاب من مختلف الخلفيات الثقافية كيفية العمل معاً والتعاون من أجل مصلحة وطنهم.
*هل ترى أن وسائل الإعلام تؤدي دوراً إيجابياً في بناء السلم الأهلي؟
وسائل الإعلام يمكن أن تلعب دوراً أساسياً في تعزيز السلم الأهلي، ولكن للأسف فإن بعضها في سوريا كان له دور سلبي في تأجيج الصراعات وإذكاء الخلافات بين مختلف المكونات، الإعلام يجب أن يكون أداة لبث قيم التسامح، والقبول بالآخر، والسلام، بدلاً من استخدامه لتغذية الخطاب الطائفي أو العرقي، فإذا كان الإعلام مسؤولاً، فإنه يمكن أن يساهم في توجيه الرأي العام نحو السلام والتعايش المشترك من خلال عرض القصص التي تبرز جهود المصالحة والنجاحات المجتمعية، في سوريا هناك حاجة ملحة لتطوير وسائل الإعلام المستقلة والموضوعية، التي يمكن أن تعمل كمنبر لفتح قنوات الحوار بين جميع الأطراف، وكذلك الإعلام الرقمي يمكن أن يكون أداة فعالة للوصول إلى جمهور واسع، خاصة الشباب، وتقديم محتوى يركز على قيم الوحدة والمساواة.
*ما هي الرسالة التي توجهها للمواطن السوري في هذا الوقت؟
رسالتي للمواطن السوري هي أن التعايش المشترك والسلم الأهلي ليسا مجرد طموحات أو أحلام، بل هما أساس لبناء سوريا جديدة قائمة على العدالة والمساواة، على الرغم من الظروف الصعبة التي نعيشها اليوم، يجب أن نتذكر أن كل واحد منا هو جزء من الحل، وأن السلام يبدأ من داخلنا ومن ممارساتنا اليومية، المواطن السوري يجب أن يتجاوز مشاعر العداء التي قد تكون نشأت بسبب الأحداث التي مررنا بها، وأن يسعى لتفهم الآخر والتعاون معه، سوريا بحاجة إلى الجميع، من مختلف الطوائف والعرقيات، لبناء مستقبل أفضل، فقط من خلال التعاون والتفاهم المشترك سنتمكن من إعادة بناء بلدنا بشكل مستدام.