الرقة – غادة علي
تشهد مدينة الرقة في السنوات الأخيرة حضوراً متنامياً للنساء في مختلف مجالات النشاط الاقتصادي، في مؤشر واضح على تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة فرضتها ظروف ما بعد الحرب، فقد باتت المرأة الرقاوية اليوم شريكاً فاعلاً في سوق العمل، حيث يتجلى دورها بشكل لافت في الأسواق المحلية، من بيع المنتجات الغذائية والخضار والفواكه، إلى العمل في تجارة الألبسة والسلع اليومية، إضافة إلى الحرف اليدوية والمشاريع الصغيرة.
هذا الحضور لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة إصرار النساء على مواجهة الواقع الاقتصادي الصعب والمساهمة في إعالة أسرهن وتعزيز صمود المجتمع المحلي في مواجهة مختلف التحديات التي مر بها.
ويعكس هذا التوسع في مشاركة النساء بالنشاط الاقتصادي تحولاً اجتماعياً مهماً، إذ لم يعد دور المرأة مقتصراً على إطار المنزل، بل امتد ليشمل الفضاء العام وسوق العمل، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جادة حول حجم الفرص المتاحة أمام النساء، وكذلك المعوقات والتحديات التي لا تزال تواجههن في بيئة العمل التجاري والمهني، خاصة في ظل تدني الأجور، وطول ساعات العمل، وغياب بعض الضمانات الصحية والاجتماعية.
تزايد مساهمة النساء
تتزايد مساهمة النساء في الاقتصاد المحلي من خلال مبادرات متعددة تهدف إلى تمكين المرأة، حيث تشارك العديد منهن في مشاريع زراعية صغيرة وبرامج تدريب مهني، ولا سيما في مجالات الحرف اليدوية والصناعات المنزلية.
وتوفر هذه المبادرات دخلاً مستقلاً للنساء، وتسهم في عملية إعادة بناء المدينة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، لا سيما مع ارتفاع أعداد الأرامل اللواتي وجدن أنفسهن معيلات أساسيات لأسرهن، الأمر الذي عزز من دور المرأة كركيزة أساسية في الاقتصاد المحلي والنهوض بالمجتمع.
وفي سياق التمكين المهني والحرفي، تشهد المراكز المجانية لتعليم المهن والحرف اليدوية إقبالاً متزايداً من النساء، حيث تشكل هذه المراكز مساحة مهمة لاكتساب مهارات جديدة تؤهلهن لدخول سوق العمل أو إطلاق مشاريع صغيرة خاصة بهن.
وتعد هذه الخطوة بالغة الأهمية في ظل الظروف المعيشية الصعبة، إذ تساهم في توفير مصدر دخل إضافي وتحسين المستوى الاقتصادي للأسر.
وقد نجحت النساء في مدينة الرقة في كسر العديد من المفاهيم الاجتماعية التي كانت تحصر بعض المهن بالرجال فقط، من خلال انخراطهن في العمل داخل المعامل الصناعية والغذائية، وهو ما شكل تحولاً نوعياً في النظرة إلى دور المرأة، وأسهم في إعادة تعريف مكانتها في المجتمع وسوق العمل.
وفي هذا الإطار، أجرت صحيفة “السوري” سلسلة لقاءات مع نساء يعملن في محال تجارية ضمن السوق التجاري في ساحة الشماس وسط مدينة الرقة.
العمل مدخل لتعزيز دور المرأة
تحدثت نهلة الأحمد، التي تعمل في محل لبيع الأحذية والحقائب النسائية، عن أهمية توفير فرص عمل كافية للنساء، معتبرة أن العمل يمثل مدخلاً أساسياً لتعزيز دور المرأة في المجتمع وتحقيق استقلالها الاقتصادي والاكتفاء الذاتي.
وأشارت نهلة الأحمد إلى أن المرأة عانت لسنوات طويلة من الذهنية الذكورية التي همشت دورها وحرمتها من أبسط حقوقها، إلا أن نضال المرأة في مواجهة التحديات أتاح لها فرصة كسر الكثير من القيود الاجتماعية التي فرضتها العادات والتقاليد البالية، ومكنها من التواجد والمشاركة في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية.
وأضافت نهلة أنها تعمل في محل الأحذية والحقائب منذ عامين، موضحة أن قرارها بالعمل جاء من أجل إعالة أسرتها وتأمين مستلزمات المنزل، خاصة أن زوجها يعمل في سوق الخضار، وأن الدخل الذي يتقاضاه لا يكفي لتغطية احتياجات الأسرة، ما دفعها إلى تحمل مسؤولية إضافية لمساندته وتحسين الوضع المعيشي للأسرة.
من جهتها، تحدثت أسماء حجو، التي تعمل في محل لبيع الألبسة النسائية، عن الصعوبات التي تواجهها في العمل، موضحة أن طبيعة العمل شاقة ومتعبة، إذ تتطلب الوقوف لساعات طويلة، الأمر الذي أدى إلى إصابتها بمرض الديسك، إضافة إلى آلام مستمرة في يديها.
وأشارت إلى أن هذه المعاناة تترافق مع أجور منخفضة لا تتناسب مع ساعات العمل الطويلة والجهد المبذول.
وشددت أسماء حجو على ضرورة إنشاء معامل خاصة بالنساء وفتح مجالات أوسع للعمل، مؤكدة أن النساء يعدن من أكثر الفئات تضرراً من آثار الحرب، وأن انخراطهن في سوق العمل يشكل وسيلة أساسية لتأمين لقمة العيش وإثبات الذات والاستقلال الاقتصادي، بما يخفف من اعتمادهن على الآخرين.
وأوضحت أسماء أن المرأة عانت لسنوات طويلة من التهميش والقمع نتيجة مفاهيم اجتماعية خاطئة حرمتها من العمل والتعليم، إلا أن الواقع الحالي يظهر أن المرأة استطاعت كسر القوالب النمطية التي حصرت دورها داخل المنزل، من خلال انخراطها في مختلف القطاعات والمجالات.
ويؤكد هذا الحضور النسائي المتزايد في سوق العمل أن المرأة في الرقة لم تعد مجرد متلقية للدعم، بل باتت فاعلاً أساسياً في عملية التعافي الاقتصادي والاجتماعي.
وفي ظل استمرار التحديات، تبقى الحاجة ملحة إلى مزيد من السياسات والمبادرات التي تعزز تمكين المرأة، وتوفر لها بيئة عمل آمنة وعادلة، بما يضمن استدامة مشاركتها ودورها في بناء مجتمع أكثر توازنا وعدالة.