حمص/ بسام الحمد
بعد سنوات من الركود والدمار، بدأت أنفاس الحياة تعود تدريجياً إلى مدينة حمص، حيث تشهد حركة البناء والعمران نهضة ملحوظة مع تسجيل ارتفاع كبير في حركة بيع وشراء العقارات والمشاريع الإنشائية، رغم التحديات الجسام المتمثلة بارتفاع أسعار مواد البناء وندرة بعضها.
ويرجع القائمون على القطاع العقاري ومهندسون مختصون هذه النهضة إلى تحسن الوضع الأمني واستقرار الأوضاع في معظم أحياء المدينة، بالإضافة إلى جهود البلدية في تنظيم عمليات البناء ومنح التراخيص بعد سنوات من الفوضى العمرانية التي أعقبت سنوات الحرب الطويلة.
في حي الوعر الذي عانى لسنوات من الدمار، يقف أبو علي أمام بنايته المتضررة بخشوع وهو يروي قصة كفاحه: “عدنا إلى منزلنا بعد سبع سنوات من النزوح، وجدنا الجدران محترقة والنوافذ محطمة، لكن إرادة الحياة كانت أقوى من كل الدمار”. ويضيف وهو يشير إلى ورشات البناء المنتشرة في الحي: “الحمد لله، الأمان عاد إلى مدينتنا والجميع يبني ويعمر من جديد”.
ويؤكد المهندس المعماري محمد الحسين أن “حركة البناء ارتفعت بنسبة 70% خلال الأشهر الستة الماضية مقارنة بالعام الماضي”، مشيراً إلى أن “الاستقرار الأمني كان العامل الحاسم في هذه النهضة العمرانية”.
لكن هذه النهضة تواجه عقبات كبيرة، أبرزها الارتفاع الكبير في أسعار مواد البناء. فسعر طن الحديد وصل إلى 850 دولاراً، ووصل سعر طن الإسمنت إلى 130 دولاراً، بينما تشهد مواد البناء الأخرى ندرة واضحة في الأسواق. يقول مقاول البناء أحمد الرفاعي: “نواجه صعوبات كبيرة في تأمين المواد الأساسية، وأسعارها مرتفعة جداً، مما يثقل كاهل المواطنين ويعيق عملية إعادة الإعمار”.
ويشير الرفاعي إلى أن “البلديّة خفّضت قيمة المخالفات البناء وسمحت بمنح تراخيص لترميم المنازل المتضررة بنسبة تصل إلى 60% من قيمتها السابقة”، معتبراً أن “هذه الخطوة ساهمت في تشجيع السكان على العودة والبناء”.
في حي الحميدية، تروي أم ياسر قصة عودتها إلى منزلها بعد سنوات من النزوح: “عندما عدنا، وجدنا المنزل مدمراً بالكامل، لكننا قررنا البقاء وبدأنا بإعادة البناء رغم كل الصعوبات”. وتضيف: “الحي كان أشبه بمقبرة، والآن بدأت الحياة تعود إليه من جديد”.
ويقول صاحب المكتب العقاري خالد الأحمد: “شهدنا خلال الأشهر الماضية طفرة حقيقية في سوق العقارات، حيث ارتفعت نسبة المبايعات بنسبة 80% مقارنة بالعام الماضي”. ويضيف: “المبشر في الأمر أن العديد من العائلات التي هجرت المدينة خلال الحرب بدأت تعود إلى أحيائها الأصلية”.
ويشير الأحمد إلى أن “البلدية سمحت بالبناء حتى خمسة طوابق في بعض الشوارع الرئيسية، وفق مواصفات هندسية محددة، مما ساهم في تنظيم عملية البناء بعد سنوات من العشوائية”.
من جهتها، تؤكد بلدية حمص أن عدد رخص البناء الممنوحة منذ بداية العام الحالي بلغ 120 رخصة، مع توقعات بمنح 100 رخصة إضافية قبل نهاية العام. ويقول مدير المشاريع في البلدية المهندس وائل محمود: “نسعى جاهدين لتسهيل إجراءات منح الرخص وتخفيف الرسوم على المنازل المتضررة، كما أننا نعمل على تحسين البنى التحتية في الأحياء التي تعرضت للدمار”.
ويضيف محمود: “قمنا بتوسيع المساحات المسموح بالبناء عليها، حيث أصبحت 200 متر بدلاً من 150 متراً، كما سمحنا بالبناء حتى الطابق الرابع وفق عرض الشارع”، مشيراً إلى أن “هذه الإجراءات ساهمت في زيادة الإقبال على الحصول على تراخيص البناء”.
ويوضح أن “معظم المخالفات تعود لفترة سابقة، وأن الإجراءات الجديدة التي تم الاتفاق عليها بالتعاون مع نقابة المهندسين والمقاولين خففت الكثير من الأعباء على المواطنين”.
في أحياء حمص القديمة، تنتشر ورش البناء في كل مكان، حيث يعمل العشرات من العمال والمهندسين على إعادة إعمار ما دمرته الحرب. يقول العامل أبو محمد وهو يضع الطوب فوق الطوب: “نعمل من الفجر إلى الغروب، نشعر أننا نعيد الحياة إلى هذه المدينة التي دمرتها الحرب”.
ويشير الاقتصادي الدكتور معن العلي إلى أن “نهضة البناء في حمص تشكل مؤشراً إيجابياً على بداية التعافي الاقتصادي”، مضيفاً أن “هذه النهضة ستنعكس إيجاباً على القطاعات الاقتصادية الأخرى، لا سيما قطاع التجارة والخدمات”.
رغم كل التحديات، فإن إرادة الحياة تتغلب على آثار الدمار في مدينة حمص، حيث تعلو أصوات معدات البناء فوق أنقاض الماضي، حاملةً معها الأمل بمستقبل أفضل لأبناء المدينة التي ترفض الموت.