لكل السوريين

فنادق درعا بين تردّي الخدمات والإهمال: معاناة مستمرة للنزلاء

درعا/ رجاء مختار

يشكو السكان في محافظة درعا جنوب سوريا، والمسافرون على حد سواء من تردّي مستوى الخدمات الفندقية وتراجع معايير النظافة والاهتمام بالزوار. فقد تحوّلت الفنادق التي كانت تُعدّ ملاذاً للمسافر أو مقصداً للزوّار والطلاب والمرضى القادمين من القرى البعيدة، إلى أماكن عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الراحة، وسط شكاوى متزايدة عن الإهمال وسوء الإدارة وتردّي البنية التحتية. وبينما يُرجع أصحاب الفنادق الأسباب إلى الظروف الاقتصادية الخانقة وارتفاع تكاليف التشغيل، يرى نزلاء كُثر أن غياب الرقابة ولامبالاة بعض الإدارات شكّلا عاملاً أساسياً في هذا الانحدار.

محمد، شاب من ريف درعا الشرقي، اضطر للإقامة ليلة واحدة في أحد فنادق المدينة بعدما جاء مع والدته لمراجعة أحد الأطباء. يروي قصته قائلاً: “وصلنا مساءً وكان علينا البقاء حتى صباح اليوم التالي. عند دخول الغرفة، فوجئت بأن رائحة الرطوبة قوية جداً، والبطانيات قديمة والمكيف لا يعمل. حاولت التواصل مع الاستقبال لكنهم اكتفوا بالقول: هذه هي الغرف المتاحة.” اضطر محمد لتهوية الغرفة طوال الليل، بينما لم تستطع والدته النوم بسبب البرد والرائحة.

يضيف بأسى: “دفعت مبلغاً لم يكن قليلاً بالنسبة لراتبي، لكنّ ما حصلنا عليه لا يليق بأي فندق. كان يمكنني النوم في السيارة وسيكون الوضع أفضل.” قصة محمد ليست استثناءً، فكثيرون باتوا يصفون الإقامة في فنادق درعا بـ“المغامرة غير المحسوبة”، خصوصاً في ظل انعدام الرقابة الصحية وغياب أي جهة تتولى تقييم جودة الخدمات.

على مقربة من الفندق الذي أقام فيه محمد، تحكي آمال – وهي معلمة من ريف درعا الغربي – تجربتها بعد حضور دورة تدريبية في المدينة. تقول: “كنت مضطرة للبقاء يومين، وتوقعت أن الفندق الذي اخترته يقع ضمن ‘المستوى الجيد’. لكن عندما دخلت الغرفة، وجدت أن الحمّام لم يُنظّف منذ فترة طويلة، والمنشفة تبدو مستخدمة مسبقاً. طلبت تغييرها، فسلّمني الموظف منشفة أخرى لا تختلف عن الأولى”.

تضيف آمال أن السجادة كانت مغطاة بالغبار، وأن النافذة لا تُغلق جيداً، ما أدى لدخول الحشرات خلال الليل. “اضطررت لاستخدام معقمات أحضرتها معي. كنت أشعر بأن المكان غير مأمون صحياً إطلاقاً.” ومع ذلك، تقول آمال إن الفنادق في درعا ضرورية، لأن كثيرين يحتاجونها عند السفر المفاجئ أو في أوقات الاضطرار، “لكن المشكلة أنهم يستغلون هذا الاحتياج ولا يقدمون بالمقابل مستوى معقولاً من الخدمة”.

النزلاء يشيرون أيضاً إلى أن المشكلة لا تتعلق بالنظافة فقط، بل تمتد إلى سوء الإدارة وغياب التدريب. يقول أبو وائل، وهو سائق باص صغير يبيت أحياناً في فنادق رخيصة داخل المدينة: “في المرة الأخيرة، بقيت ساعتين أنتظر ليصل الموظف الذي يحمل مفتاح الغرف. الكهرباء تنقطع كثيراً، ولا يوجد مولد خاص بالفندق. المياه الساخنة متوقفة، والسرير غير مريح لدرجة أن ظهري تأذى بعد ليلة واحدة”.

ويصف أبو وائل تجربته بأنها “مجموعة من الأخطاء المتراكمة”، إذ يرى أن الفنادق في المحافظة تفتقر لتعامل احترافي مع الزبائن: “عندما تشتكي، ينظرون إليك وكأن المشكلة هي ذوقك العالي، بينما الحقيقة أن الحد الأدنى من الراحة صار أمراً مفقوداً”.

على الجانب الآخر، يبرّر بعض مالكي الفنادق تراجع جودة الخدمات بارتفاع تكاليف التشغيل وقلة الزوار. أحد أصحاب الفنادق المتوسطة في درعا يقول: “نحن نواجه صعوبات يومية. تكلفة الصيانة تضاعفت، وأسعار مواد التنظيف ارتفعت بشكل كبير، إضافة إلى صعوبة تأمين كهرباء مستقرة للمكان. كل هذا ينعكس على الخدمة”.

ويضيف أن الفندق يعمل بنصف طاقته، لأن الكثير من الغرف تحتاج لصيانة “لا يقدر على تكلفتها حالياً”، مؤكداً أنه يتحمّل جزءاً من المسؤولية لكنه يطالب أيضاً ببيئة اقتصادية أكثر استقراراً، ودعم حكومي أو تسهيلات تمكن الفندق من تحسين خدماته. ومع ذلك، يعترف بأن بعض الفنادق في المحافظة “لا تلتزم بالحد الأدنى من المعايير”، ويقول إن غياب الرقابة الرسمية سمح لهذا الوضع بأن يتفاقم.

يشكو سكان درعا من غياب أي جهة فاعلة تراقب مستوى الخدمات في الفنادق وتصنّفها وفق معايير واضحة، رغم وجود شكاوى متكررة من المواطنين. ويؤكد عدد من المهتمين بالشأن المحلي أن الفنادق لا تُلزم حالياً بأي معايير صحية أو متطلبات محددة للنظافة، وأن التفتيش – إن حدث – يبقى شكلياً.

يقول أحد النشطاء المحليين: “لدينا فنادق تحوّلت فعلياً إلى غرف مستأجرة أكثر منها منشآت سياحية. لا توجد معايير، ولا خطوط حمراء. النزيل يدفع مبلغاً يتوقع مقابله خدمة تحترم آدميته، لكنه يحصل أحياناً على نقيض ذلك تماماً.” ويضيف أن غياب الرقابة يشجع الإهمال، وأن بعض الفنادق تستغل عدم وجود بدائل أفضل في المنطقة، خصوصاً في ظل ظروف الحرب والركود الاقتصادي.

ولا تقتصر آثار تردّي الخدمات الفندقية على الجانب المادي، بل تمتد إلى صورة المدينة ككل. يقول خالد، وهو طالب جامعي: “في كل مرة يأتي صديق أو قريب من خارج المحافظة، أجد نفسي محرجاً عندما يبحث عن فندق. الصورة الذهنية عن درعا تتضرر، وكأن المدينة لا تهتم بزوارها”.

كما يواجه المرضى القادمون من المناطق النائية مشكلة حقيقية عندما يحتاجون للإقامة بالقرب من المستشفيات. إحدى السيدات تقول: “ابني يحتاج مراجعة دورية للطبيب. كلما جئنا للمدينة نعاني الأمرّين في الفندق. بعضهم لا يوفّر حتى التواصل اللائق مع الزبائن، وكأننا نطلب شيئاً فوق طاقاتهم”.

ورغم شكاوى الأهالي المتواصلة، لا تبدو بوادر تحسّن كبيرة في الأفق. فالأزمة الاقتصادية تضغط على أصحاب الفنادق، وغياب الرقابة يضعف الدافع لتحسين الخدمات، بينما يظل النزلاء الحلقة الأضعف. لكن كثيرين يأملون في أن تؤدي الضغوط الشعبية وتكرار الشكاوى إلى وضع حدّ للإهمال، ووضع معايير واضحة للنظافة والخدمة والتسعير، بما يعيد للمحافظة جزءاً من مكانتها ويفتح الباب أمام خدمات فندقية تستحق اسمها. وبرغم الظروف الصعبة التي تمر بها درعا، تبقى هذه المشكلة واحدة من التفاصيل اليومية التي تمسّ حياة المواطنين بشكل مباشر، وتجسد حاجة ملحّة لرقابة فعّالة وإدارة مهنية تعيد الثقة المفقودة بين الفنادق ونزلائها.

- Advertisement -

- Advertisement -