لكل السوريين

ارتفاع أسعار البندورة في درعا مع نهاية الموسم.. تراجع الإنتاج يثقل كاهل المزارعين

درعا/ رجاء مختار

شهدت أسعار البندورة في محافظة درعا جنوب سوريا، ارتفاعاً ملحوظاً مع اقتراب نهاية موسم الإنتاج، مما أثار قلق المستهلكين وأربك التجار في الأسواق المحلية. مع تراجع المعروض نتيجة قلة المحصول هذا الموسم، أصبح الحصول على كميات كافية من البندورة تحدياً يومياً، حيث اضطرت الأسر إلى دفع مبالغ أكبر لتأمين احتياجاتها اليومية.

ارتفاع الأسعار جاء نتيجة عدة عوامل متشابكة أبرزها تراجع الإنتاج، قلة الأمطار، ارتفاع تكاليف الزراعة، صعوبة الحصول على الأسمدة والمبيدات، ونقص مياه الري، وهو ما انعكس بشكل مباشر على السوق المحلية وأسعار البيع للمستهلك.

في الريف الغربي لدرعا، يقول المزارع يوسف العلي إنه رغم جهوده الكبيرة في رعاية حقوله، لم يحقق محصوله الكمية المعتادة، إذ لم تتجاوز الغلة ثلاثة أطنان للدونم، في حين كانت الأعوام السابقة تتجاوز ثمانية أطنان.

ويضيف يوسف أن ارتفاع تكاليف الري واستخدام الأسمدة والمبيدات أدى إلى زيادة المصروفات، لكن السوق لم يكفِ لتغطية هذه التكاليف، ما سبب له خسائر كبيرة هذا الموسم. كما أن انتشار بعض الآفات والأمراض الزراعية، إلى جانب الجفاف الذي ضرب المنطقة في الأشهر الأخيرة، أدى إلى انخفاض جودة المحصول، وهو ما انعكس على قدرة المزارعين على البيع بأسعار مناسبة.

على الجانب الآخر، يعاني المستهلكون من تأثير ارتفاع الأسعار مباشرة على ميزانياتهم اليومية. المواطن علي مراد، على سبيل المثال، يروي كيف كان يشتري كيلو البندورة بمبلغ مئة ليرة سورية في بداية الموسم، فيما أصبح سعره الآن أكثر من ضعف ذلك، ما يضع الأسر أمام خيارات صعبة بين تقليل الاستهلاك أو البحث عن بدائل أرخص. هذا التفاوت في الأسعار بين بداية الموسم ونهايته يضيف عبئاً كبيراً على الأسر، خاصة أن البندورة تعتبر من المواد الأساسية في أغلب وجبات السكان.

التجار في سوق مدينة درعا يوضحون أن ارتفاع الأسعار لا يعود فقط إلى انخفاض الإنتاج، بل أيضاً إلى محدودية التوريدات القادمة من المناطق الأخرى. بعض التجار حاولوا تغطية نقص المعروض عبر جلب كميات من المحافظات الساحلية، إلا أن ارتفاع تكاليف النقل ساهم في رفع سعر البيع النهائي للمستهلك. كما أن الأسواق تشهد تنافساً شديداً بين التجار لتأمين الكمية المتاحة، وهو ما أدى إلى مزيد من التفاوت في الأسعار بين الكيلوغرامات المختلفة.

في قرية نوى جنوب درعا، يروي بعض الأهالي كيف أصبح الحصول على كميات كافية من البندورة تحدياً يومياً. السيدة سلمى خليل تقول إن العائلات باتت تضطر إلى تقليل استخدام البندورة في الطبخ واستبدالها بخضروات أخرى أقل تكلفة، مثل الباذنجان أو الفليفلة، وهو ما يوضح أثر انخفاض الإنتاج على العادات الغذائية للسكان.

كما أن ارتفاع الأسعار دفع بعض العائلات إلى شراء كميات صغيرة جداً فقط لتغطية احتياجاتها اليومية، ما زاد من الضغط على السوق وأدى إلى صعوبة تلبية الطلب في بعض الأوقات.

المزارعون يؤكدون أن السبب الرئيسي وراء انخفاض الإنتاج يعود إلى محدودية الموارد المائية، إذ أن الجفاف الذي ضرب المنطقة قلل من قدرة التربة على الاحتفاظ بالرطوبة، إضافة إلى ارتفاع درجات الحرارة في أوقات حرجة من نمو المحصول.

وأجبر ارتفاع أسعار الأسمدة والبذور بعض المزارعين على الاكتفاء بكمية محدودة من الأسمدة، ما أثر على الغلة وجودة الثمار. بعض الحقول لم تنتج إلا نصف ما كانت تنتجه في المواسم السابقة، وهو ما جعل المعروض في الأسواق محدوداً ورفع الأسعار بشكل تلقائي.

التحديات لم تقتصر على نقص الإنتاج وحده، بل شملت أيضاً عوامل أخرى مرتبطة بالتوزيع والبيع. الأسواق المحلية تشهد ضغطاً شديداً بسبب ارتفاع الطلب على البندورة، بينما يبقى المعروض محدوداً.

التجار الذين يعتمدون على جلب كميات إضافية من خارج المحافظة يواجهون صعوبات بسبب ارتفاع أسعار النقل، وأحياناً عدم توفر البضاعة الكافية، ما يزيد من حالة عدم التوازن بين العرض والطلب في السوق. هذا الواقع أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل متدرج حتى وصل إلى مستويات قياسية في بعض المناطق، حيث أصبح الكيلوغرام الواحد من البندورة سلعة باهظة التكلفة بالنسبة للكثير من الأسر.

رغم هذه التحديات، يحاول بعض المزارعين والتجار إيجاد حلول للتخفيف من أثر ارتفاع الأسعار على المستهلكين.

بعض التجار باعوا البندورة بكميات صغيرة لتوزيعها على أكبر عدد ممكن من الأسر، في حين سعى آخرون إلى التعاون مع مصانع التصنيع للحصول على عقود شراء ما تبقى من الإنتاج بأسعار مستقرة، ما يساعد المزارعين على تعويض جزء من خسائرهم. كما بدأت بعض المبادرات المحلية بتوعية الأهالي حول استخدام بدائل أرخص للطبخ وتقليل الفاقد، بهدف مواجهة الأزمة.

إضافة إلى ذلك، يشير الخبراء الزراعيون إلى أن موسم البندورة في درعا هذا العام يكشف هشاشة الإنتاج الزراعي أمام العوامل المناخية وارتفاع تكاليف الزراعة.

ويؤكدون على أهمية تطوير استراتيجيات زراعية جديدة تشمل تحسين نظم الري واستخدام تقنيات الزراعة المحمية وتخزين المحاصيل بعد الحصاد، بهدف تقليل تقلبات الأسعار وضمان استمرارية توافر الخضار في الأسواق. كما يوصون بضرورة دعم المزارعين من خلال تسهيلات مالية وتقنيات حديثة تساهم في تحسين الإنتاجية وتقليل الخسائر.

يمثل انتهاء موسم البندورة في درعا هذا العام تحدياً كبيراً للمزارعين والمستهلكين على حد سواء. تراجع الإنتاج وارتفاع الأسعار انعكسا مباشرة على حياة السكان اليومية وقدرتهم على تأمين احتياجاتهم الأساسية.

وتظهر الحاجة الماسة إلى خطط دعم طويلة الأمد للزراعة في المحافظة تشمل التمويل، تحسين نظم الري، استخدام تقنيات حديثة، وتنظيم الأسواق لضمان استقرار الأسعار، بحيث يستطيع المزارع تحقيق دخل مناسب، ويستفيد المستهلك من منتجات محلية بأسعار معقولة.

موسم البندورة هذا العام يسلط الضوء على ضرورة تعزيز الاستدامة الزراعية وتأمين الموارد الغذائية في درعا، لضمان قدرة المحافظة على مواجهة التحديات المناخية والاقتصادية في المستقبل.

- Advertisement -

- Advertisement -