لكل السوريين

المهور الباهظة في حمص وحماة… فرحة الزواج أم عبء الشباب؟

تقرير/ جمانة الخالد

في أحياء حمص القديمة وقرى حماة، أصبح موضوع المهور عنواناً للنقاش اليومي بين الشباب والعائلات، حيث تتقاطع التقاليد الاجتماعية مع الواقع الاقتصادي الصعب، لتخلق أزمة جديدة تعرقل الزواج وتؤثر على حياة كثيرين. ارتفاع تكاليف المهور أصبح قضية تؤرق الأسر، خاصة في ظل تدني الدخول وغلاء المعيشة، بينما الشباب يجدون أنفسهم أمام اختيارات صعبة بين تأجيل الزواج أو الانسحاب منه تماماً.

في أحد أحياء حمص، يجلس فارس، شاب في الرابعة والعشرين، مع أصدقائه في مقهى شعبي، يتحدث عن تجربته: “كنت أحب فتاة من قريتنا، وكانت الخطوة التالية هي الاتفاق على الزواج، لكن المهر الذي طالب به أهلها تجاوز كل توقعاتي. حاولت التفاوض، لكن المبلغ كان يفوق قدراتي، شعرت أن كل خططي تنهار”، فارس ليس حالة فردية، بل يعكس واقع العديد من الشباب في حمص وحماة، الذين يجدون صعوبة في جمع المهر التقليدي، حتى مع مساعدة العائلة والأصدقاء.

في حماة، تواجه ليلى، فتاة في أوائل العشرينات، واقعًا مشابهًا، لكنها من منظور العائلة: “أهلي يريدون ضمانة للابنة، لكن المبالغ المطلوبة باتت تفوق قدرتهم. نحن نفهم أن المهر تقليد لحماية الفتاة، لكنه أصبح عبئاً إضافياً على الأسر، وكثير من الشباب يهربون من الزواج خوفاً من هذا العبء المالي”، هذه الموازنة بين التقاليد والواقع المعيشي تضع الأسر والشباب في مأزق دائم، خاصة مع استمرار ارتفاع الأسعار ونقص فرص العمل في الريف والمدن الصغيرة.

الخبراء الاجتماعيون يؤكدون أن ارتفاع المهور ليس مجرد مشكلة مالية، بل انعكاس لتغيرات اقتصادية واجتماعية واسعة. الدكتور سمير الأتاسي، أستاذ علم الاجتماع في جامعة حماة، يقول: “المهر في الأصل كان وسيلة لضمان حقوق المرأة وأمانها الاقتصادي، لكنه اليوم أصبح عبئاً ثقيلاً، يزيد من ضغوط الزواج ويؤثر على نسب الزواج بين الشباب. بعض الأسر تعتمد المهر الكبير كوسيلة لإظهار المكانة الاجتماعية، ما يزيد الفجوة بين الواقع الاقتصادي والمطالب التقليدية”.

في حمص، يحكي محمود، شاب في الثلاثينات، عن صديقه الذي اضطر لتأجيل زواجه لمدة عامين: “كان يريد الزواج من حبيبة عمره، لكن والدها طالب بمهر كبير جداً. حاول جمع المال من أصدقائه وعائلته، لكن لم يكن كافياً. اضطر في النهاية لتأجيل الزواج حتى يشعر بالأمان المالي، وهذا يضغط على النفسية والعلاقات الاجتماعية”.

من جانب آخر، بعض الأسر في الريف ترى أن المهر الكبير ضروري لضمان استقرار الحياة الزوجية، إذ تعتقد أن المهر يمثل التزاماً من الطرف الآخر. تقول أمينة، أم لعروس محتملة في إحدى قرى حماة: “نحن نطلب المهر ليس للربح، بل ليكون ضمانة لأولادنا، وحتى يشعر الشاب بالمسؤولية. لكن في نفس الوقت، نفهم أن الشباب يعانون من غلاء المعيشة، وما بين رغبتنا في ضمان مستقبل الابنة وقدرتهم على الدفع، يصبح الوضع صعباً”.

المشكلة تكمن أيضاً في تفاوت الأسعار بشكل غير منطقي بين المناطق والمدن. في حمص المدينة، قد يصل المهر إلى عشرات ملايين الليرات السورية، بينما في القرى والريف يكون المبلغ أقل، لكنه يبقى ثقيلاً مقارنة بدخل الشباب المحدود. هذه التفاوتات تدفع البعض للبحث عن طرق بديلة، مثل الزواج المتأخر أو حتى الهجرة مؤقتاً للعمل قبل التفكير في الزواج، ما يزيد من نسب تأجيل الزواج ويؤثر على التركيبة الاجتماعية.

إضافة إلى ذلك، يلجأ بعض الشباب إلى الاستدانة لتغطية المهور، ما يعرضهم لمشكلات مالية إضافية ويزيد الضغوط النفسية على حياتهم اليومية. سامر، شاب من حمص، يروي: “اضطررت لأخذ قرض من صديق لتغطية المهر، والدي ساعد قليلاً، لكن ما زالت الأعباء كثيرة. الزواج الذي يفترض أن يكون فرحة، أصبح مصدر قلق كبير”.

الخبراء الاقتصاديون والاجتماعيون يشيرون إلى أن الحلول تتطلب توازنًا بين التقاليد والواقع الاقتصادي. يمكن تبني سياسات مجتمعية تشجع على تخفيض المهور أو تقديم دعم مالي محدود للأسر والشباب، بالإضافة إلى حملات توعية حول الزواج البسيط، وتشجيع الشباب على التخطيط المالي قبل الزواج لضمان الاستقرار النفسي والاجتماعي.

لا يعتبر غلاء المهور في حمص وحماة مجرد مشكلة فردية، بل قضية اجتماعية واقتصادية تتعلق بالموازنة بين التقاليد والقدرة المالية للشباب، وهو ما يستدعي وعياً جماعياً من الأسر والمجتمع والسلطات المحلية لتخفيف العبء عن الشباب، وضمان استمرار الزواج كأساس لبناء الأسرة والمجتمع، بعيدًا عن الهروب أو التأجيل الطويل الذي أصبح ظاهرة واضحة في هذه المحافظات.

- Advertisement -

- Advertisement -