دمشق/ مرجانة إسماعيل
في قلب دمشق القديمة، حيث تتشابك الأزقة الضيقة وتروي كل حجر فيها قصص قرون مضت، تقع منازل يندر وجودها في أي مكان آخر، تحمل بين جدرانها عبق التاريخ وجمال العمارة الشامية. هنا، بين بيوت الحجار والزركش، نشأت تجربة جديدة تجمع بين الماضي والحاضر: تحويل المنازل التراثية إلى مطاعم ومقاهٍ تجذب الزوار المحليين والسياح على حد سواء.
عند دخول بيت الكيلاني، الذي يعود للقرن الثامن عشر، يستقبلك فناء واسع تتوسطه نافورة رخامية، تحيط به أقواس مزخرفة وأسقف مزينة بالزركش. هنا، جلست نادين، شابة تعمل في إدارة أحد المطاعم، تشرح لي عن يومها الروتيني بين الطاولات والزوار: “أشعر وكأنني أعيش داخل كتاب تاريخي، كل زاوية هنا لها قصة، وكل ضحكة زائر تضيف حياة للمكان”، بالنسبة لنادين، العمل هنا ليس مجرد وظيفة، بل تجربة تربطها بتاريخ دمشق وثقافتها، وهي فرصة لإحياء تراث ظل معرضاً للإهمال لعقود.
بينما تمشي أم يامن، سيدة خمسينية من حي مئذنة الشحم، بين المطاعم، تقول: “كنت أسكن هذا المنزل مع عائلتي قبل أن يتحول إلى مطعم. من الصعب علي أن أرى الغرف والأقواس وقد تغيرت لتناسب الخدمة الحديثة، لكنني سعيدة لأن البيت لم يُترك ينهار”، قصتها تعكس شعور العديد من سكان الأحياء القديمة، حيث يختلط الاعتزاز بالتراث مع القلق من فقدان أصالة المكان.
الباحث التاريخي الدكتور سامر قاسم يشير إلى أن تحويل البيوت القديمة إلى مطاعم يحمل في طياته تحديات كبيرة. يقول: “غالباً ما تتطلب هذه المشاريع تعديلات على التصميم الأصلي، مثل توسيع المداخل أو إضافة مرافق حديثة، ما قد يشوه القيمة المعمارية للمنزل”، لكنه يضيف أن الجانب الاقتصادي لا يمكن تجاهله، فالمشروع يوفر فرص عمل للشباب والحرفيين، ويجذب السياح الذين يساهمون في تنشيط الأسواق المحلية.
داخل مطعم آخر، بيت عبدو، تلتقي الزائرين بأطباق سورية تقليدية؛ كالمقلوبة والكبة، مع لمسات معاصرة في التقديم. صاحبة المطعم، أمل، تقول: “أحببت أن أجعل المأكولات جزءاً من التجربة الثقافية، فكل طبق هنا يحمل قصة عن دمشق القديمة، وعن أيدٍ صنعت هذه الوصفات لأجيال”، بالنسبة لأمل، دمج الطعام بالتراث ليس فقط وسيلة لجذب الزوار، بل وسيلة للحفاظ على هوية المكان وروحه.
لكن التحولات التجارية لم تخلو من تحديات للسكان المحليين، أم نادر التي ما زالت تقيم في بيت مجاور، تقول: “ارتفاع الإيجارات أجبر بعض العائلات على الرحيل، وأصبح الحي مزدحماً دائماً، الضوضاء والمواقف المحدودة تجعل الحياة اليومية أصعب”، هذه المشكلات تبرز الحاجة إلى وضع ضوابط تمنع استغلال المباني التراثية بطريقة تؤدي إلى فقدان الطابع السكني للحي، وتحافظ على توازن بين الجانب الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
مازن، شاب يعمل كمرشد سياحي، يرى أن هذه التجربة فريدة من نوعها في العالم، ولكن ما يميز دمشق هو العمق التاريخي والتنوع الثقافي. يقول: “الزائر هنا لا يكتفي بالجلوس وتناول الطعام، بل يتعرف على تفاصيل العمارة، ويشاهد الحرف اليدوية، ويعيش تجربة حيّة لتاريخ المدينة”، كما أن بعض هذه البيوت تستضيف فعاليات ثقافية، مثل ورش الحرف اليدوية والعروض الموسيقية، لتمنح الزائر تجربة متعددة الأبعاد بين التراث والطعام والفن.
الدكتور قاسم يرى أن الحل الأمثل يكمن في وضع تشريعات صارمة لحماية المباني التراثية، مع تقديم حوافز للمالكين للحفاظ على استخدام المبنى بما يتوافق مع طبيعة المكان. ويضيف: “المفتاح هو التوازن؛ يجب أن نحافظ على روح البيت وأصالته، بينما ندع الاقتصاد يزدهر بطريقة مدروسة، بحيث لا تتحول البيوت إلى مجرد ديكور أو مطاعم فحسب”.
بين أجواء الزوار والموظفين، وبين رائحة الطعام وهدير المارة في الأزقة القديمة، تبدو البيوت الدمشقية القديمة وكأنها تعيش حياة مزدوجة؛ بين التاريخ والمستقبل، بين الأصالة والحداثة. هنا، يجلس الزائر ليستمتع بالتراث ويأكل وجبة تقليدية، بينما يعمل الحرفيون على الترميم، وتبقى العائلات شاهدة على هذا التحول، لتكون هذه البيوت شاهداً حياً على دمشق، لا مجرد صور على جدران الذاكرة.