لكل السوريين

ذوو المفقودين في درعا: انتظارٌ طويل لعدالة غائبة

درعا/ رجاء مختار

ما تزال أصوات عشرات العائلات في الجنوب السوري تتردّد في الأزقّة القديمة وعلى بوابات السجون المغلقة، رغم مرور سنوات طويلة على اختفاء أبنائها أو مقتلهم خلال أحداث الثورة السورية وما تبعها من حملات أمنية واسعة. بالنسبة لهؤلاء، لم تُطوَ صفحة الألم بعد، فكل بيت تقريباً في محافظة درعا يحمل رواية فَقْدٍ أو انتظار، وجميعهم يجمعون على مطلب واحد: تحقيق العدالة وكشف الحقيقة.

في أحد منازل مدينة طفس، تجلس أمٌّ خمسينية تتأمل صورة ابنها المعلّقة على الجدار، حيث يظهر شاب في العشرينات بعينين لامعتين. تقول أم محمود: “خرج ابني في 2013 ليشتري دواءً لوالده. لم يعد. سألنا كل الفروع الأمنية، نكروا وجوده، ثم قالوا إنهم لا يعرفون عنه شيئاً. ونحن منذ 12 سنة نعيش على بصيص أمل أن يكون ما يزال حيّاً في مكان ما.”

كانت أم محمود من عشرات النساء اللواتي وقفن أمام فرع الأمن العسكري في درعا مراراً، يحملن صور أبنائهن ودفاتر صغيرة فيها أسماء الضباط الذين وُعدن بأنهم سيبحثون في الملف. لكنها تقول إنها لم تتلقَّ يوماً إجابة واضحة: “كانوا يقولون لنا: عودوا غداً… وغداً صار سنوات.”

قصة محمود ليست فريدة. فوفق تقديرات ناشطين محلّيين، تضم محافظة درعا آلاف المفقودين في عهد النظام السوري منذ بداية 2011، بينما حصلت عائلات قليلة فقط على تأكيدات بوفاة أبنائها من خلال سجلات رسمية تم تحديثها لاحقاً.

وعلى بعد كيلومترات قليلة، في ريف درعا الشرقي، تلقّى أبو عامر، وهو موظف سابق، خبر وفاة ابنه عامر بعد ثماني سنوات من اختفائه. يقول بصوت خافت: “أعطوني ورقة من السجل المدني تقول إن ابني توفي في 2014 نتيجة ‘سبب صحي’. لم يقولوا أين توفي، ولا أين دُفن.”

ورغم أنه توقّع الأسوأ طيلة تلك السنوات، إلا أنّ الصدمة كانت مضاعفة: “قتلوه وحرموه من جنازة، وحرَموني من أن أودّعه”.

يشير أبو عامر إلى درج صغير تحت السرير، يحتفظ فيه بآخر رسالة كتبها ابنه قبل اعتقاله بأسابيع، إضافةً إلى شهادة ميلاده وشهادة الثانوية وصور طفولته. “هذه كل حياتي اليوم… صور وذكريات. لكنّي أريد العدالة. أريد أن أعرف الحقيقة فقط”.

وفي حارة أخرى بدرعا البلد، يتحدث شبّان في العشرينات عن آباءٍ وأعمام وأخوة لم يروهم منذ طفولتهم. بعضهم لا يملك سوى قصاصات ورقية وصور ممزقة.

يقول خالد، وهو شاب فقد والده عام 2012: “كبرت وأنا أسمع قصصاً عن شجاعته وعن أنه لم يكن يخاف. لكنني لم أعرفه. كل ما أعرفه أنه خرج في مظاهرة سلمية، وبعدها لم يعد. والدتي لم توقف بحثها، لكنها تعبت كثيراً”.

يعترف خالد أنه يشعر بغياب العدالة في كل تفاصيل حياته: “تقدّمت للجامعة، وكنت أحلم أن أري والدي شهادتي. لكن ما حصل أننا نحاول أن نبني حياتنا فوق ركام ذاكرة ناقصة”.

يتفق الكثير من شبّان المحافظة على أن غياب العدالة يحرمهم من الشعور بالاستقرار، ويجعل مستقبلهم غامضاً. فالقضية لا تتعلق بالماضي فقط، بل بواقع حاضر ما زال يفتقد للضمانات القانونية والأمنية.

منذ عام 2018 وبعد التسوية التي فرضها النظام السوري على محافظة درعا، ظنّ بعض الأهالي أن ملفات المفقودين قد تشهد تقدّماً. إلا أن الواقع لم يتغير كثيراً بحسب رواية الناشط الحقوقي “أبو يزن”، الذي يتابع عشرات ملفات الاختفاء القسري.

يقول: “العائلات لا تريد الانتقام. هي تريد الحقيقة، وتريد أن تعرف مصير أبنائها. العدالة الانتقالية ليست شعاراً، بل أساس لأي عملية سلام حقيقية.”

ويؤكد أبو يزن أن كثيراً من العائلات ترفض إغلاق الملفات تحت أي ظرف، لأن “النسيان ليس خياراً”. ويضيف: “لا يمكن بناء مستقبل في درعا أو في سوريا عموماً دون مواجهة هذا الملف. إنه جرح مفتوح”.

وفي السنوات الأخيرة، بدأ ناشطون في درعا بتوثيق أسماء المفقودين وأرشفة الروايات الشفوية التي تروي ظروف الاختفاء. يعتمدون على شهادات الأهالي، وعلى وثائق حصل بعضهم عليها من سجلات رسمية أو منشقّين سابقين عن الأجهزة الأمنية.

يقول أحد المشاركين في مشروع التوثيق: “نحن لا نملك سلطة سياسية، لكن نملك الحق في حفظ ذاكرتنا. نخشى أن يأتي يوم تُكتب فيه القصة بشكلٍ مغاير، لذلك نحافظ على شهادات الناس كما هي.”

كما يجري العمل على مبادرات صغيرة لدعم أسر المفقودين نفسياً واجتماعياً، خاصة النساء اللواتي أصبحن المعيل الوحيد لأطفالهن. وتشير روايات عديدة إلى أن بعض العائلات تعيش في فقر شديد نتيجة فقدان المعيل، إضافةً للضغوط النفسية المستمرة.

وفي نهاية اليوم، عندما تغلق الأسواق وتخلو الشوارع، تبقى صور المفقودين معلّقة في بيوت درعا وعلى جدران الذاكرة. كل صورة هي رواية حياة انقطعت فجأة، وكل عائلة تحمل أملاً صغيراً بأن تنكشف الحقيقة يوماً ما.

تقول أم محمود وهي ترتّب ثوب ابنها الذي احتفظت به كل هذه السنين: “ربما يعود… أو ربما لا. لكنني لا أريد أن يذهب دمه أو اختفاؤه بلا حساب. العدالة حقنا، ولن نتخلى عنه”.

وفي الوقت الذي تتعثر فيه الحلول السياسية، تبقى درعا شاهدة على جراح مفتوحة، وتبقى أصوات أمهات وآباء وزوجات تنتظر أن ينصفها التاريخ. العدالة، بالنسبة لهم، ليست مطلباً قانونياً فحسب، بل شرط أساسي ليتمكنوا من عيش حياة طبيعية، ولتتمكن المحافظة من تجاوز سنوات الظلام.

- Advertisement -

- Advertisement -