طرطوس/ اـ ن
شهد موسم الزيتون في ريف طرطوس هذا العام خسارة فادحة، إذ بدأ موسم القطاف الذي طال انتظاره مثقلاً بالخيبات والخسائر، نتيجة تعدد الأسباب والعوامل المؤثرة. فالزيتون لم يكن استثناءً عن بقية المواسم السابقة من حيث حجم الضرر، حيث إن تراجع الإنتاج لهذا الموسم سيؤثر بشكل مباشر على دخل آلاف الأسر، ويحوّل مؤونة الزيت والزيتون إلى عبء إضافي على المستهلك المفقر، لتبدأ حلقة جديدة من إعادة الحسابات وسط طاولة طويلة من الاحتياجات المعيشية المؤلمة أساساً.
ويعزى تراجع إنتاج الزيتون إلى مجموعة من الأسباب المتداخلة، تبدأ من ظاهرة “المعاومة” الطبيعية التي تؤثر على الإنتاج بين سنة وأخرى، مروراً بحالة الجفاف وقلة الأمطار التي انعكست بشكل كبير على الأشجار البعلية، وصولاً إلى ارتفاع درجات الحرارة والحرائق التي التهمت آلاف أشجار الزيتون في الساحل السوري. كما ساهمت الآفات الزراعية وضعف الخدمات الفنية، كالتقليم والتسميد، في زيادة حجم الخسائر
المهندس الزراعي نائل خزام من منطقة الشيخ بدر أوضح أن نسبة تراجع إنتاج الزيتون تجاوزت 40% مقارنة بالعام الماضي، مشيراً إلى أن وراء كل بيدون زيت حجمًا كبيرًا من التكاليف لا يدركه المستهلك، تبدأ من أجور الفلاحة والري مروراً بالتقليم والتعشيب والتسميد ورش المبيدات، وصولاً إلى أجور القطف والنقل والعصر.
وبيّن خزام أن هذه القائمة الطويلة من النفقات يتحملها المزارع وحده، وعندما يقل الإنتاج تتوزع الكلفة على كمية أقل، فيرتفع متوسط كلفة الكيلوغرام ويصبح العائد الصافي وربح الفلاح في مهب الريح. وأضاف أن المشكلة لا تتعلق بالوفرة أو الشح فحسب، بل بمعادلة اقتصادية معقدة تتأثر بكل تفصيل من الحقل إلى المعصرة.
فعلى سبيل المثال، ينتج الدونم الواحد وسطياً نحو 400 كغ من الزيتون، ويتطلب فلاحتين في الموسم بتكلفة تتراوح بين 300 إلى 350 ألف ليرة سورية بحسب سعر المازوت، إلى جانب كلفة السماد التي تتراوح بين 900 ألف ومليون ليرة سورية، ومع تراجع الإنتاج ترتفع الكلفة الإجمالية على المزارع، ما يجعل العمل في هذا المجال شبه خاسر.
وأشار خزام إلى أن الزيت والزيتون لم يعودا يشكلان عوناً للمزارعين كما في السابق، بل أصبحا عبئاً يهدد مصدر رزق آلاف العائلات التي لا تملك مورداً آخر. وتزداد المعاناة مع الخسائر الناتجة عن الحرائق التي طالت مساحات واسعة من الأراضي، إلى جانب التراجع الواضح في كميات الزيتون الواردة إلى المعاصر، وما رافق ذلك من شكاوى لأصحاب المعاصر حول ارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة.
وبحسب الإحصاءات، تضم محافظة طرطوس وحدها 290 معصرة زيتون، وهو عدد يفوق حاجة المحافظة في ظل تراجع الإنتاج. وقد باشرت المعاصر عملها هذا العام وحددت تسعيرة عصر الكيلوغرام من الزيتون بـ 700 ليرة سورية في حال بقي “البيرين” لصاحب المعصرة، و850 ليرة سورية إذا كان من نصيب الفلاح.
غير أن بعض المعاصر اعتمد نظاماً مختلفاً، حيث تتقاضى مبلغ 60 ألف ليرة سورية عن كل غالون زيت سعة 18 لتراً بعد العصر، ما يعكس تفاوتاً كبيراً في آليات التسعير وغياباً للرقابة على التزام المعاصر بالشروط المحددة. واشتكى عدد من المزارعين من قيام بعض المعاصر بتقليل مدة بقاء الزيتون في العجلة ورفع درجة الحرارة لتسريع العملية، ما يؤدي إلى فقدان الزيت لخواصه الطبيعية وارتفاع نسبة الأسيد إلى 5% مقابل 1% فقط المحددة عالمياً، فضلاً عن خسارة نسبة من الزيت ضمن المخلّفات.
وأضاف المهندس خزام أن الأسعار لا تزال متقاربة مع العام الماضي حتى الآن، حيث تراوح سعر تنكة الزيت (16-18 ليتراً) بين مليون ومليون ونصف ليرة سورية، فيما تتراوح أسعار الكيلو الواحد من الزيتون بين 12 و20 ألف ليرة سورية بحسب النوع والمصدر.
في المقابل، تعاني القدرة الشرائية للمستهلكين من تراجع حاد مع تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يؤدي إلى انخفاض معدلات الاستهلاك بشكل كبير، وتراجع المؤونة إلى النصف أو حتى اعتماد بعض الأسر على شراء الزيت بالكيلو فقط، لتتقلص بذلك مكانة الزيتون وزيته على موائد الأهالي في طرطوس والمناطق الريفية المجاورة.