لكل السوريين

مجلس المرأة السورية: النساء يحتجن لرؤية شاملة لمواجهة العنف ضدهن

الرقة 

يمثل العنف ضد المرأة واحدة من الظواهر الأكثر تأثيراً على المجتمعات الإنسانية اليوم، إذ تتعرض النساء لمستويات مختلفة من الاعتداء سواء داخل الأسرة أو في الحياة العامة أو حتى في أماكن العمل، ورغم المعاهدات الدولية والقوانين المحلية التي تجرّم هذه الأفعال، إلا أن الأرقام تشير إلى واقع مرير حيث لا تزال امرأة من بين كل ثلاث نساء حول العالم تعاني من شكل واحد على الأقل من العنف وفقاً لمنظمة الصحة العالمية هذا الرقم لا يعكس فقط حجم المشكلة بل يعكس أيضاً الصمت الذي يحيط بها.

وتعاني النساء من صعوبات شديدة في الإفصاح عن تعرضهن للعنف سواء خوفاً من العار الاجتماعي أو من الانتقام أو حتى بسبب عدم الثقة في النظام القضائي، وفي كثير من الأحيان يكون المعتدي شخصاً من العائلة أو المجتمع القريب مما يزيد من خطورة الوضع، وعندما تصمت المرأة فهي لا تُخفي جرحها فقط بل تخسر جزءاً من كرامتها وتكون في كثير من الأحيان عاجزة عن حماية أطفالها أو تغيير واقعها.

وفي هذا الحوار الذي أجرته صحيفة السوري مع عزيزة يوسف عضوة لجنة التنظيم في مجلس المرأة السورية، نحاول الغوص أكثر في جذور هذه الظاهرة ونسلط الضوء على التحديات التي تواجه النساء في كسر الصمت، كما نستعرض دور المؤسسات والمجتمعات في دعمهن ونبحث عن آفاق الحل عبر التوعية والتشريعات وتمكين المرأة اقتصادياً واجتماعياً.

كيف تقيّمون الواقع الحالي للعنف ضد المرأة في المنطقة وهل شهدنا أي تحسّن خلال السنوات الأخيرة؟

للأسف ورغم بعض التحسن القانوني والتوعوي إلا أن العنف ضد المرأة لا يزال مشكلة متجذرة، نحن لا نتحدث فقط عن العنف الجسدي بل عن أشكال أخرى مثل العنف النفسي الجنسي الاقتصادي، المرأة قد تتعرض للإهانة أو التهديد أو الحرمان من الميراث أو العمل، وخلال السنوات الأخيرة زادت الحملات والتشريعات لكن التطبيق ما يزال ضعيفاً خاصة في المناطق التي تعاني من ضعف المؤسسات، التحسن موجود لكنه بطيء وغير كاف وما زالت الكثير من النساء عاجزات عن طلب المساعدة أو الاعتراف بأن ما يتعرضن له هو عنف.

ما العوامل الأساسية التي تجعل المرأة تصمت عن العنف الذي تتعرض له؟

هناك عدة عوامل تجعل المرأة تختار الصمت أبرزها الخوف من الانتقام خاصة إذا كان المعتدي زوجاً أو أحد أفراد الأسرة، أضف إلى ذلك الوصمة الاجتماعية والخوف من اللوم حيث يُنظر في بعض المجتمعات إلى المرأة المعنفة على أنها مسؤولة عن ما يحدث لها كذلك ضعف الدعم القانوني والاجتماعي يلعب دوراً  كبيراً، فالكثير من النساء لا يعرفن حقوقهن أو يشعرن أن التبليغ لن يُجدي، وهناك أيضاً العوامل الاقتصادية إذ يعتمد عدد كبير من النساء على الزوج مادياً ويسألن أنفسهن ماذا بعد كيف سأعيش كل هذه الأسئلة تكبل المرأة وتمنعها من كسر الصمت.

هل يمكن القول إن بعض الثقافات تُشرعن العنف وما تأثير ذلك على عقول النساء أنفسهن؟

نعم للأسف بعض التقاليد تُشرعن العنف بطرق مباشرة أو غير مباشرة ففي بعض البيوت يُربى الأطفال على أن ضرب المرأة تأديب أو تسلط الرجل من حقه شرعاً وهذه مفاهيم تزرع في الذهنية منذ الطفولة المرأة نفسها قد تُربى على قبول العنف كجزء من الزواج أو كقضاء وقدر هذه الثقافة تُسكت النساء عن حقوقهن التأثير لا يقف عند حد الصمت بل يتعداه إلى تطبيع العنف وجعله جزءاً من النظام الاجتماعي مما يؤخر أي إمكانية لحماية المرأة أو إحداث تغيير حقيقي.

ما دور المؤسسات الرسمية في حماية النساء وهل هناك قصور في التشريعات أو التطبيق؟

المؤسسات الرسمية تتحمل مسؤولية كبيرة في حماية النساء بدءاً من وضع القوانين وصولاً إلى تطبيقها، بعض الدول أصدرت قوانين متقدمة لحماية المرأة من العنف لكن القصور يكمن في التنفيذ هناك ضعف في تدريب الشرطة للتعامل مع شكاوى العنف الأسري وقلة في المحاكم المتخصصة وأحياناً أخرى يتحول القانون إلى نص غير مفعل، الأمر لا يحتاج فقط قوانين بل إلى منظومة متكاملة من الدعم تشمل مراكز إيواء دعم نفسي وقانوني ووعي مجتمعي يحفظ للمرأة حقها في الأمان.

كيف يمكن للمرأة أن تتخطى الخوف من المجتمع عند التفكير في كسر الصمت؟

الخطوة الأولى هي الوعي بأن ما تتعرض له ليس طبيعياً ولا يجب السكوت عنه، المرأة بحاجة لشبكة دعم سواء عبر الأهل أو الأصدقاء أو المنظمات الخطاب الإعلامي والتنموي، يلعب دوراً مهماً في كسر وصمة الضحية يجب أن نخلق ثقافة تحترم الناجيات وتقدم لهن مساحات آمنة للحديث القدوة أيضاً مهمة عندما ترى النساء الأخريات يكسرن الصمت ويبدأن حياة جديدة فهذا يشجعهن الأمر صعب لكن عبر الدعم النفسي والمجتمعي والتشريعات الفعالة يمكن تخطي الخوف.

ماذا عن العنف الاقتصادي ما خطورته ولماذا يعتبر غير مرئي في معظم الأحيان؟

العنف الاقتصادي هو من أخطر أشكال العنف لأنه غالباً ما يكون خفياً عندما يمنع الرجل زوجته من العمل أو يتحكم في مواردها المالية أو يفرض عليها الإنفاق على الأسرة دون مقابل فهذا شكل من أشكال السيطرة والتحكم العديد من النساء لا يدركن أن ذلك نوع من العنف لأنهن نشأن على الاعتماد المالي على الرجل خطورة هذا النوع أنه يجعل المرأة غير قادرة على ترك علاقة مسيئة لأنه يربط الأمان الاقتصادي بوجود المعتدي لذلك تمكين المرأة مالياً هو أحد أهم مفاتيح التحرر من العنف.

هل تصعب مواجهة العنف حين يكون من داخل الأسرة وكيف تختلف هذه الحالات عن غيرها؟

عندما يأتي العنف من داخل الأسرة يصبح الوضع أكثر تعقيداً عادة ما تتردد الضحية في التبليغ عن فرد من العائلة خشية تفكك الأسرة أو الخوف على الأبناء كذلك في بعض المجتمعات يُنظر إلى كشف عنف الزوج كنوع من الفضيحة هناك أيضاً العوامل العاطفية والاقتصادية التي تربط المرأة بالمعنّف لهذا تحتاج هذه الحالات إلى مقاربات خاصة تعتمد على الدعم المتواصل رفع الوعي وتأمين ملاذات آمنة لا يمكن فقط أن نقول للمرأة اهربي بل يجب أن نضمن أن لديها بديلاً آمناً.

ما مدى تأثير حملات التوعية في تغيير واقع العنف ضد المرأة؟

حملات التوعية تلعب دوراً حيوياً فهي تكسر حاجز الصمت وتستخدم اللغة البسيطة لتوضيح حقوق المرأة حين تسمع امرأة عبارات مثل صوتك حقك أو أنت لست وحدك فهذا قد يكون الفارق بين الصمت والنجاة ومع ذلك التأثير لا يظهر بين ليلة وضحاها يحتاج الأمر لاستمرارية وتكامل بين الرسائل الإعلامية والتعليم ومحتوى المناهج الدراسية والقوانين لتغيير الذهنيات ما نحتاجه هو التحرك من مجرد شعارات إلى حملات تستهدف السلوك المجتمعي وتخلق نقداً عاماً لأي سلوك عنيف.

كيف يمكن للمرأة في المناطق التي تفتقر للبنية القانونية أو المراكز الداعمة حماية نفسها؟

المرأة في هذه المناطق تواجه تحديات مضاعفة بسبب غياب بنية الدعم القانوني والاجتماعي لكنها يمكنها الاستفادة من أشكال الدعم البديلة مثل التواصل مع نساء أخريات أو مجموعات دعم محلية غير رسمية في بعض الحالات يكون التعليم الرقمي مصدرًا مهمًا للوعي والمعلومات كذلك يجب الاستفادة من شبكات المنظمات الدولية التي تملك برامج دعم عن بعد المهم ألا تبقى المرأة وحدها حتى في ظل غياب البنى الرسمية يمكن خلق بيئة تضامن نسائية ومجتمعية.

ما التصور المستقبلي لحل هذه المشكلة وما الذي يجب فعله على مستوى السياسة والمجتمع؟

لتحقيق تغيير فعلي يجب اعتماد استراتيجية شاملة قوية قانونياً داعمة اجتماعياً ومحفزة اقتصادياً نحتاج قوانين فعالة تُطبق بصرامة وبرامج توعية في المدارس والإعلام ومراكز دعم نفسي واجتماعي يجب كذلك تمكين النساء اقتصادياً لمساعدتهن على كسر التبعية ولابد من إشراك الرجال أيضاً في حملات التوعية لأن تغيير الفكر المجتمعي لا يكون بتمكين النساء وحدهن بل بإعادة تعريف علاقة الجنسين المستقبل يتطلب إرادة سياسية وتحالفات واسعة بين الحكومة والمجتمع المدني والإعلام.

- Advertisement -

- Advertisement -