لكل السوريين

العنف السياسي واقعه ومآلاته وتأثيره على المرأة السورية

غادة علي – الرقة 

تواجه النساء في مناطق النزاع والاضطرابات السياسية أشكالاً متعددة من العنف تتجاوز الأطر التقليدية لتلامس الجوانب النفسية والاجتماعية والاقتصادية لحياتهن، وفي ظل التوترات والصراعات التي مرت بها سوريا، بات العنف السياسي يُستخدم كأداة ممنهجة لتقويض حضور المرأة في المجال العام وإسكات أصواتها، سواء عبر الاستهداف المباشر أو عبر الضغوط التي تطال أسرها ومجتمعها.

وتشير المعطيات الحقوقية إلى أن النساء يتحملن العبء الأكبر من تبعات النزاع السياسي، من التهجير وفقدان المعيل، إلى التمييز ومحدودية الوصول إلى مواقع القرار، وفي هذا السياق، يبرز السؤال حول كيفية تأثير هذا العنف على مستقبل مشاركتها المدنية ودورها في بناء السلام.

وتقول رنا عبد القادر، الرئيسة المشتركة لجامعة الشرق، إن المرأة السورية ما تزال تواجه أشكالاً معقدة من العنف السياسي والتمييز، رغم الدور الكبير الذي أدته خلال سنوات الحرب، مؤكدة أن واقع النساء اليوم يتطلب نقاشاً جدياً حول كيفية تعزيز حضورهن في الحياة السياسية وصنع القرار، وأن الحاجة باتت ملحة لإعادة الاعتبار لدور المرأة بعد سنوات طويلة من الإقصاء والاستهداف والاعتقال والتهجير، وهي سياسات ممنهجة حدّت من وصول النساء إلى مواقع التأثير.

وتوضح رنا عبد القادر أن المرأة السورية تعرضت لأقسى أشكال العنف السياسي، بدءاً من الإقصاء المتعمد وصولاً إلى منعها من نيل حقها الطبيعي في تولي المسؤوليات الرسمية، ورغم ذلك المرأة السورية تحدت كل الظروف الصعبة، تبقى حاضرة في الساحات والإدارة والتعليم والعمل المدني والدفاع عن المجتمع، وأنها لم تكن يوماً مجرد متفرجة على الأحداث، بل قوة مقاومة وصلبة ومتمسكة بحقها في أن تكون فاعلة ومؤثرة.

وتتابع، بالقول إن استمرار تهميش النساء حتى خلال المرحلة الانتقالية، التي كان من المفترض أن تنصفهن وتعترف بتضحياتهن، يعكس خللاً كبيراً في مسار بناء سوريا جديدة، مؤكدة ضرورة تصحيح هذا المسار ومنح النساء موقعهن الطبيعي في مؤسسات القرار، وأن أي عملية سياسية لا تقوم على مشاركة حقيقية وواسعة للمرأة ستكون عملية ناقصة، وغير قادرة على تحقيق تحول ديمقراطي مستدام.

وتضيف أن ما تعيشه كثير من النساء السوريات من العنف السياسي لا يقتصر على الاستبعاد، بل يصل إلى التأثير العميق على قدرة النساء على المشاركة العامة، وعلى دورهن الحيوي في عمليات بناء السلام وإعادة الإعمار السياسي والاجتماعي، وأن هذا العنف يعطّل إمكانية توظيف الخبرة النسائية في صياغة مستقبل سوريا الجديدة، رغم وجود فرص كبيرة يجب أن تُفتح أمام النساء للمشاركة في القرار.

وبدورها قالت هندرين محمد، الإدارية في مكتب المرأة في مجلس سوريا الديمقراطية، إنه من الضروري تقديم رؤية مهمة حول دور المرأة في بناء سوريا المستقبل، مشيرة إلى أن الدراسات العالمية تُظهر أن الدول التي تحقق تمثيلاً عادلاً للنساء داخل الحكومات والمؤسسات السياسية تشهد نمواً اقتصادياً واجتماعياً أكبر، لأن السياسات تصبح أكثر شمولاً وعدالة.

وأوضحت أن التجارب الدولية في الدول الخارجة من الصراعات يعكس حقيقة أن مشاركة النساء في مفاوضات السلام وصناعة القرار ساهمت في تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي، وهو ما يجعل هذه التجارب نموذجاً يمكن البناء عليه في الحالة السورية.

وأكدت هندرين محمد أن اعتماد هذا النهج في سوريا ضرورة ملحّة، لأن تعزيز دور المرأة السياسي ليس خطوة تجميلية أو شكلية، بل شرط أساسي لبناء دولة ديمقراطية قائمة على العدالة والمساواة، لافتة إلى أن العمل على توسيع مساحة مشاركة النساء في مفاصل العمل السياسي والمجتمعي يمثل خطوة جوهرية نحو تحقيق الاستقرار.

وأضافت أن كثيراً من السياسيات السوريات يؤكدن اليوم من خلال نقاشاتهن واتصالاتهن، أهمية ترسيخ مبدأ الشراكة الحقيقية بين النساء والرجال داخل المؤسسات السياسية والمجتمعية، وضرورة سن قوانين واضحة تحمي النساء من العنف والتمييز، وأن بناء سوريا الجديدة لا يمكن أن يتحقق دون مشاركة واسعة وفعالة للنساء في كل المستويات.

وبيّنت إدارية في مكتب المرأة بمجلس سوريا الديمقراطية أن الآراء المتداولة بين الناشطات السياسيات تتفق على ضرورة إدانة جميع أشكال العنف ضد المرأة، خصوصًا العنف السياسي الذي يستهدف تغييب النساء عن المجال العام، مؤكدة أن دور المرأة في المرحلة الانتقالية ليس عنصراً ثانوياً، بل شرط أساسي لنجاح أي عملية تحول سياسي.

وشددت على أن تضحيات المرأة السورية ومشاركتها في حماية المجتمع ومقاومة التطرف وصنع السلام تجعل من المستحيل تجاهل دورها في أي مشروع سياسي مقبل.

ولفتت إلى أن العنف السياسي ضد النساء ترافق في السنوات الماضية مع محاولات منهجية لإقصائهن عبر أدوات قانونية وإدارية ودستورية، ما يستدعي إنشاء آلية وطنية نسوية لمراقبة هذه الانتهاكات وتوثيق آثارها على النساء، ورفع توصيات دورية للجهات المعنية.

وختمت هندرين محمد بالإشارة إلى أن أي عملية سياسية تستمر في استبعاد المرأة أو تمنع وصولها إلى مواقع القرار ستكون عملية منقوصة تهدد استقرار المجتمع، مشددة على أن الاعتراف بالمرأة كشريكة أساسية في صياغة مستقبل سوريا الجديدة ضرورة لا يمكن التراجع عنها.

وطالبت باعتماد نسبة تمثيل نسائية لا تقل عن 50% في الهيئات واللجان المكلفة بالقرارات المصيرية، وتضمين حقوق المرأة ومبادئ المساواة الجندرية في أي دستور أو عقد اجتماعي جديد، مع ضمان تطبيقها فعلياً، إلى جانب تعزيز برامج التمكين السياسي والاقتصادي للنساء باعتبارها ركيزة أساسية لاستقرار المجتمع وبناء سوريا ما بعد الحرب.

 

- Advertisement -

- Advertisement -