إعداد أنعام إبراهيم نيوف
مصطلح الإبراهيمية يتسم بالبريق، والإغراء الكامن في استغلال الاسم النبوي الكريم، ورمزية ومكانة أبي الأنبياء، والخداعِ المتسترِ بالحديث عن المشترك الإبراهيمي، الذي يوارِي حقيقة المشروعات والتوجهات الخطيرة، فغدا عنوانا ظاهره يلمع بالرحمة، وباطنه مختلف، تعددت التسميات والمصطلحات والمشروعات وبقي الهدف واحد يحمل مخططات ظالمة مهلكة.
الدين الإبراهيمي، الفيدرالية الإبراهيمية، المسار الإبراهيمي، السلام الإبراهيمي، الدين العام العالمي، الولايات المتحدة الإبراهيمية، القدس المدينة الإبراهيمية، الدبلوماسية الروحية.
إن الدور في الترويج لهذه الدعوة ودعمها قويا بشكل واضح، من خلال الأنشطة والطرق والمؤسسات الكثيرة، منذ أوائل القرن العشرين، وقد تم عقد العديد من المؤتمرات بدعوى التقريب بين الإسلام والمسيحية، قامت بتمويلها المنظمات في أمريكا وأوربا، وشاركت فيه عدة جنسيات.
وقفت وراء الديانة الإبراهيمية الجديدة مراكز بحثية ضخمة وغامضة، انتشرت مؤخرا في ربوع العالم، وأطلقت على نفسها اسم “مراكز الدبلوماسية الروحية”، ويعمل على تمويل تلك المراكز أكبر وأهم الجهاتِ العالمية، مثل: الاتحاد الأوروبي، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والولايات المتحدة الأميركية.
بدأت بالبحث والتنقيب بين البشر عن أهمية ومقام النبي إبراهيم عندهم فوجدوا أن أغلب شعوب المنطقة لا يخلو بيت من بيوتها تقريباً من تسمية لاسم إبراهيم في كل الأديان الموجودة هناك، واستنادا لتلك الأبحاث وجدوا أنه يمكن إيجاد دولة ابراهيمية وهذه الدولة يحمل أبنائها جواز سفر ابراهيمي وجيش ابراهيمي ودستورها عبارة عن مجموع قيم المشتركة بين الاسلام والمسيحية واليهودية، وتسمى باسم: الولايات المتحدة الابراهيمية: وتتضمن كل الدول العربية إضافة إلى تركيا وإيران وإسرائيل والمقصود بإسرائيل هنا [إسرائيل الكبرى] وهي سوريا ما عدا الجزء الشمال الشرقي وهو يعتبر محقق في الجزء الشمالي من سوريا، ولبنان وفلسطين والأردن وجزء من مصر وجزء من الخليج واليمن والأخطر أنه لن يكون هناك دول وإنما عبارة عن ولايات والبحث الذي تم في جامعة هارفرد أكد على أن هذه الفيدرالية او المسار لن يكون ملكية لهذا المسار قطعاً، وليس للشعوب التي تقطن هذه الأرض أو المنطقة ولكن يوجد في رئاسة السلطة الفيدرالية إسرائيل وتركيا أي تكون ملكية المسار في مداولة أي في تداول، أي أن هذه الأراضي لها طابع دولي وهنا تكمن خطورة أن هذا المسار في الدعاية له هو: مسار سياحي ديني تاريخي.
وان هذا المسار لا ملكية لهذه الدول على ارضيها فهي ملكية عالمية دينية سياحية تاريخية أي بمعنى اخر وربما أخطر انه لا وجود للحدود السياسية وهذا ما قاله جاريد كوشنر في 28/2/2019 في صفقة القرن حين قال: الهدف من صفقة القرن إزالة الحدود السياسية، والهدف وكما نشاهد اليوم ليس فلسطين وانما منطقة الشرق الأوسط ككل.
إن المنطقة تعاني بشكل عام من رفض التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، ووجوده في المنطقة، لذلك لجأت مراكز الفكر الأمريكية وهي المصنع السياسي لأمريكا إلى إعادة كتابة التاريخ وإن التاريخ الذي نقرأه ونعرفه غير صحيح، وإنه ليس تاريخنا وذلك عبر الجلسات والحوارات واللقاءات التي تتكلم عن الحضارات والأديان وإلى كل ما له صلة بذلك، وقبول إسرائيل ووجودها كواقع طبيعي في المنطقة، وبالتالي إن الصراع صراع على الهوية، وليس صراع هيكلي كما قال كوشنر، وبالتالي يجب إعادة تعريف الصراع.
يقول وليم اوري ملك مبادرة المسار الابراهيمي وهو المدير التنفيذي لجامعة هارفرد يقول: الهدف من هذا المسار أن لا يشعر شعوب المنطقة بملكية المقدسات، ولا وجود لمدن مقدسة، ولا ملكية الحدود، أي أن يكون الولاء للفكرة فقط.
ثم تطور الأمر، فأصبحنا نرى بعض الدول في المحيط العربي تجاهر بتبني “الإبراهيمية”، وتسخر الكثير من الأموال، وتحشد الجهود البشرية والإعلامية، وتقيم الفعاليات والمشروعات المتنوعة، للترويج للإبراهيمية، وتكريسها في أرض الواقع، لا سيما تلك الدول التي قامت بالتطبيع مع اسرائيل، وفي مقدمتها الإمارات العربية المتحدة، التي تبذل في هذا الأمر جهودا جبارة، مادية ومعنوية، وتستجلب عددا غير قليل من العلماء والدعاة، وتغريهم بالانخراط في نشر وتثبيت الدعوة إلى الإبراهيمية، وتجنيدهم لخدمة هذا المشروع الخطير.
يهدف الدين الإبراهيمي العالمي الجديد بدون مواربة إلى إلغاء الأديانِ القائمة، وقد رأينا بعض الأنظمة التي تتبنى الإبراهيمية في المشرق الإسلامي تقوم باضطهاد المؤسسات والعلماء الذين يدعون إلى الإسلام، وأصبحنا أمام توجه خطير، لا يريد أصحابه أن يَبقى معه وجود فاعل الدين الإسلامي والمسيحي.
وأما عن المخاطر السياسية للإبراهيمية، فإنها تنطوي على توجهات غاية في الخطورة على أمتنا وقضايانا العادلة، وخاصة قضية احتلال بيت المقدس، وسعيهم مخطط إسرائيل الكبرى.
ما هو المحرك الأساسي لتطبيق هذا المسار؟
إن ما تشهده المنطقة منذ عدة سنوات ليس إلا تنفيذا لهذا المخطط ومن أدواته الصراع السني الشيعي، وتغذية مواقع التواصل الاجتماعي في هذه الفتن، وخلق طوائف متناحرة، وأنه من خلال سلوكك وفكرك والدين الذي تتبعه أحكم عليك سلفاً لذلك وسموا المسلمين بسمة الإرهاب.
أيضا فكرة عدم قيام أو القدرة على قيام دولة قومية أي فشل الدولة القومية وإنما دول متناحرة طائفية وعشائرية والحديث عن الثورات وخلق الربيع العربي، وكل هذا محرك لكي تنتفض الشعوب وتطالب بالعيش نحو الأفضل.
ومما يدعو للعجب أن أمريكا والغرب يرفعون راية العلمانية، ويقفون بالمرصاد لأية دعوة أو أنظمة تدعو إلى إقامة الحياة على أساس الدين، أو إدخاله في السياسة، فلماذا يتداعون الآن للتمسح بالقيم الدينية، والتوسلِ بها إلى حل قضايا الصراع في العالم، ويسعون لاختلاق دين جديد، ينتسب إلى أبي الأنبياء إبراهيم.
إن الإبراهيمية وما يتفرع منها، مِن شأنها أن تخرج الصراعَ من دائرة كونه احتلالا واغتصابا بالقوة لأرض مسلمة، إلى كونه نزاعا بين أبناء عائلة واحدة، هي العائلة الإبراهيمية، ومن ثم تصرف المسلمين عن الجهاد المشروع، وتقضي على أي توجه لإعداد العدة اللازمة لاسترداد الأرض الإسلامية المباركة، ويؤول الأمر إلى التفريط في المقدسات الإسلامية.
إننا أمام صورة ماكرة من صور القوة الناعمة، التي تقوم على محاولة الوصول إلى تحقيق الأهداف عن طريق نشر الأفكار، وتهيئة البيئة فكرياً ونفسياً، وإيجاد ثقافات وقناعات، تخدم مخططات وتحقق الوصول إلى ما يمكن الوصول اليه دون القوة الخشنة، معتمدين على الاستغلال السياسي للدين.
إن الإبراهيمية ما هي إلا مشروع ماكر، ووسيلة استغلها الغرب وأمريكا لخدمة أهدافهم، وتحقيق مصالحهم على حساب مصالحنا وحقوقنا المشروعة، ولضمان أمن وتفوق حلفائهم، وإسدال الستار على الاحتلال، وإضاعة الحق في فلسطين، وإتمام غرس وتثبيت وتغليفِ هذا الوجود للمحتل بغلاف ديني.
يتبع