لكل السوريين

العدالة الانتقالية والعدالة الاجتماعية في سوريا بين القانون والاقتصاد

دمشق

تمر سوريا اليوم بتحديات جسيمة على صعيد العدالة الانتقالية، إذ إن المسارات التقليدية للعدالة، التي تركز على المحاسبة الجنائية وكشف الحقيقة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي، لم تعد كافية لمعالجة الأزمة العميقة التي عانى منها المجتمع السوري لعقود طويلة.

فالحرب السورية لم تكن مجرد صراع مسلح أدى إلى انتهاكات جسيمة، بل هو تراكم لعقود من الفساد والاستبداد والنهب الذي استهدف غالبية الشعب السوري وأدى إلى انهيار النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلاد، ما جعل العدالة الانتقالية التقليدية عاجزة عن مواجهة الواقع بشكل كامل.

وتعرف الأمم المتحدة العدالة الانتقالية بأنها “مجموعة شاملة من العمليات والآليات التي تسعى لتحقيق العدالة والمصالحة ومنع الانتهاكات المستقبلية”، وبالرغم من أهمية الركائز القانونية والسياسية، إلا أن التركيز الحصري عليها يغفل السبب الجذري للصراع، وهو غياب العدالة الاجتماعية والاقتصادية.

فالمظالم التي دفعت السوريين إلى الاحتجاجات الشعبية عام 2011 لم تُحل بمحاكمات أو لجان حقائق سياسية وأمنية فقط، وأي عملية عدالة انتقالية تتجاهل البعد الاجتماعي الاقتصادي محكوم عليها بالفشل، كونها عدالة جزئية لا ترقى إلى العدالة الشاملة التي تتطلب إعادة بناء النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلاد.

لقد أفرزت سنوات الحرب نظاماً اقتصادياً جديداً يهيمن عليه الفساد والمصالح الشخصية، حيث نشأت طبقة جديدة من الأثرياء على أنقاض الدمار والفقر، بينما تظل الأغلبية الساحقة من الشعب تحت خط الفقر، محرومة من الحد الأدنى من الخدمات الأساسية.

هذا الظلم الجديد، الذي نما على أنقاض الدمار، زاد الهوة بين الأغنياء والفقراء، وأدى إلى تراكم الاستياء الشعبي وزيادة هشاشة المجتمع، ما يوضح أن أي مقاربة للعدالة الانتقالية لا تعالج هذا الظلم الاقتصادي والاجتماعي تعتبر مجرد مسكّن مؤقت، ولن تحقق استقراراً أو سلاماً مستداماً.

ولا تقتصر العدالة الانتقالية في سوريا على المساءلة القانونية أو البحث عن الانتهاكات الماضية، بل هي عملية شاملة تتطلب إعادة توزيع الثروة بشكل عادل، وضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، واجتثاث الفساد الذي استشرى في جميع مفاصل الدولة.

كما ينبغي أن تشمل أي خطة شاملة للعدالة الانتقالية توفير فرص عمل لائق، ورعاية صحية وتعليمية متاحة للجميع، وضمان الحق في السكن، لتصبح هذه الجوانب جزءاً لا يتجزأ من مفهوم العدالة الشاملة، مع ضرورة وجود آليات شفافة لمراقبة تنفيذ هذه السياسات والتأكد من وصول الموارد إلى مستحقيها.

إن العمل على المسارات التقليدية للعدالة الانتقالية يجب أن يتم ضمن سياق يضمن عدم تجميل واقع اجتماعي غير عادل، وإلا فإن أي حل سيكون مجرد مسكّن مؤقت، وسرعان ما ستندلع الأزمات مجدداً.

والشعب السوري لن يقبل العودة إلى نظام يعاني فيه من الظلم الاقتصادي والاجتماعي الذي كان سبباً رئيسياً لسقوط النظام السابق، ولن يكون مجرد الاعتذار أو الإجراءات الجزئية كافياً لتحقيق سلام دائم ومستقبل مستقر.

سوريا اليوم بحاجة إلى عدالة انتقالية حقيقية، تجمع بين القانون والاقتصاد، وتدمج بين المساءلة الجنائية والمصالحة الاجتماعية، لتصبح العدالة شاملة ومستدامة، وتعيد للبلاد نسيجها الاجتماعي والاقتصادي الذي تآكل على مدار عقود من الفساد والاستبداد، وتمنح السوريين فرصة حقيقية لبناء دولة عادلة توفر لهم الحياة الكريمة، وتحمي حقوقهم الأساسية، وتعيد الثقة بين المواطن والدولة بعد سنوات من الانتهاكات والظلم المتواصل.

- Advertisement -

- Advertisement -