جاءت الفنانة التشكيلية زمزم الحاج إلى العاصمة الأردنية عمّان، من بين ركام الحروب وغبار المسافات الطويلة، ومن ذاكرة الأرض التي أنجبت الزيتون أول مرة، تحمل في قلبها سلام الزيتون السوري، وفي يديها ريشة لا تعرف إلا الضوء والحب والسلام.
وشاركت زمزم في الكرنفال الدولي للزيتون المقام في الحديقة النباتية الملكية برعاية الأميرة الأردنية بسمة بنت علي، وبتنظيم من الشبكة النسائية الأردنية للزيتون، لتضيف لمسة سورية أصيلة إلى تظاهرة فنية وإنسانية جمعت فنانين من مختلف البلدان تحت شعار واحد: “الزيتون سلام الأرض وروحها الخالدة”.
تُعرف زمزم الحاج بأنها واحدة من أبرز الأسماء في الفن التشكيلي السوري المعاصر، فهي عضو في اتحاد الفنانين التشكيليين السوريين، وعضو في جمعية بيت الخط العربي والفنون، وتشغل أيضاً منصب الموجّهة الاختصاصية للفنون الجميلة في محافظة القنيطرة، إضافة إلى عضويتها الفاعلة في الشبكة النسائية الدولية للزيتون.
هذه المسيرة لم تكن مجرد ألقاب مهنية حصلت عليها الفنانة التشكيلية زمزم، بل طريقاً سلكته الحاج لتجعل من الفن أداة للوعي والاتصال بين الشعوب.
الزيتون… فلسفة فنية ورسالة إنسانية
في حديثها لصحيفة “السوري” عن رسالتها قالت: “أنا عضو في الشبكة النسائية السورية، وكأي فنان يؤمن برسالته، أعبّر من خلال لوحتي عن أفكاري ومشاعري وأحلامي. أرسم الزيتون لأنه مرآتي، وشجرتي المباركة التي تحمل في جذورها الإيمان، وفي أغصانها الأمل. من خلالها أرى الأرض والإنسان والخلود”.
في إطار مشاركتها بالكرنفال، قدّمت زمزم الحاج لوحة فنية حملت عنوان “بستان مضيء”، جسدت فيها أشجار الزيتون كأنها مصابيح نورٍ تضيء العتمة، وتجمع بين قدسية الأرض وصفاء الروح.
وقد أهدت هذه اللوحة إلى الأميرة بسمة بنت علي، عربون تقدير لجهودها في دعم الفنون والبيئة وتمكين المرأة، وفي لحظة مؤثرة ومفعمة بالرمزية، وضعت زمزم “وسام حمامة السلام” على صدر الأميرة، وهو عمل فني رمزي مصنوع بعناية من خشب زيتون الجليل المبارك في فلسطين، مهد الزيتون ومأوى الرسالات السماوية.
تقول الفنانة عن تلك اللحظة التي امتزج فيها الفن بالقداسة: “حين وضعت وسام حمامة السلام على صدر سمو الأميرة، شعرت أني أضع معه روح الزيتون الفلسطيني التي لا تموت. هذا الوسام يحمل غصن زيتونٍ صُنِعَ من خشبٍ مباركٍ شهد التاريخ والأنبياء. إنه رمزٌ للسلام الذي نحلم به، وللأمل الذي لا ينكسر مهما اشتدت الريح”.
الرسم من القلب
لم تكتفِ زمزم بعرض لوحاتها فقط، بل شاركت في فعالية الرسم المباشر في الحديقة النباتية الملكية، إلى جانب مجموعة من الفنانين الأردنيين والعرب، حيث رسمت شجرة زيتون حية أمام الحضور، مستخدمة ألوانها كما لو كانت ترسم بدمع الأرض وعرقها.
كانت لوحتها هناك امتداداً لحكايتها الطويلة مع الزيتون، إذ جمعت بين الرمزية الروحية والتجريد اللوني، وجعلت من الجذع نداءً للأصالة ومن الأغصان نشيداً للسلام.
وقالت وهي تنهي لوحتها: “كل زيتونة أرسمها هي وطن. كل ورقة هي ذاكرة إنسان عبر هذه الأرض. الزيتون بالنسبة لي ليس مجرد موضوع فني، بل هو صلاة، وصبر، وعودة دائمة إلى الجذور”.
ولدت زمزم تيسير الحاج في محافظة القنيطرة السورية، المدينة التي عرفت الحرب كما عرفت الصمود، هناك تعلمت أن الفن يمكن أن يكون بلسماً للجرح، وأن الريشة قادرة على قول ما تعجز عنه الكلمات.
وبدأت مسيرتها الفنية مبكراً، وشاركت منذ ذلك الحين في عشرات المعارض المحلية والعربية والدولية، من دمشق إلى بيروت، ومن القاهرة إلى إسطنبول وعمّان، مقدّمة أعمالاً تمزج بين المدرسة التعبيرية والتجريدية، وتعتمد على رموز الأرض والطبيعة السورية: الزيتون، الياسمين، الحمام، والنور.
خلال مسيرتها، حصدت زمزم عدة تكريمات وشهادات تقدير من مؤسسات فنية وثقافية عربية، تقديراً لدورها في دعم الفن النسوي ورسالتها في جعل اللوحة مساحة للتسامح والحوار بين الشعوب.
كما ساهمت في ورشات فنية تربوية استهدفت الأطفال في المناطق المتضررة، مؤمنة بأن الفن يمكن أن يكون دواءً للروح، وأن كل طفل يرسم شمساً هو خطوة نحو عالمٍ أفضل.