حمص/ بسام الحمد
مع بدء افتتاح المدارس في محافظة حمص، يعيش الأهالي سباقاً مريراً مع أسعار القرطاسية والحقائب والملابس، في ظل واقع اقتصادي يضغط على كل تفاصيل حياتهم اليومية. فبينما تتزين واجهات المحلات في السوق المسقوف وساحة الساعة بالبضائع المخصصة للطلاب، يقف الأهل أمامها بحذر، يحسبون التكلفة بدقة قبل أن يقرروا شراء أبسط الحاجيات. ورغم تراجع أسعار بعض السلع قليلاً نتيجة انخفاض سعر صرف الدولار، فإن هذا الانخفاض لا يكفي أمام رواتب لا تغطي سوى جزء يسير من الاحتياجات، لتبقى العودة إلى المدارس أشبه بامتحان جديد للأسر الحمصية.
داخل أحد المحلات في شارع الدبلان، يراقب أبو مراد، موظف حكومي وأب لثلاثة طلاب، حركة الزبائن وهو يحاول اختيار حقيبة لطفلته الصغرى. يقول: “كل سنة نفس الهم، أسعار الحقائب تتراوح بين 120 و250 ألف ليرة، والملابس فوق 150 ألف للقطعة، وإذا أضفنا الدفاتر والأقلام، نحتاج أكثر من مليون ليرة لتجهيز الأولاد. راتبي بعد الزيادة الأخيرة ما بيتجاوز المليون، يعني حتى تجهيز واحد منهم يلتهم معظم الراتب”. يضحك بمرارة ويضيف: “صرنا نلجأ للدين أو نستخدم أغراض السنة الماضية، بس الولاد ما ذنبهم يعيشوا النقص كل عام”.
ليست معاناة أبو مراد استثناءً، فقصص العائلات في حمص تكاد تتشابه. من حي الأرمن، تقول أم جاد، وهي ربة منزل لديها أربعة أطفال: “اضطررت أشتري حقيبتين فقط، والباقي رح يستخدموا الشنط القديمة. والله قلبي ينكسر لما أشوف ابني يقارن حاله مع رفقاته، بس شو بدي أعمل؟ المعيشة صارت أكبر من طاقتنا. حتى لو نزلت الأسعار شوي، ما في فرق، لأنه الرواتب ما زادت بشكل يتناسب مع الغلاء”.
في سوق الحسبة الشعبي، حيث يلجأ كثير من الأهالي لتأمين القرطاسية الأرخص، يزدحم المكان بالزبائن. هنا التقت “أم وائل”، معلمة مدرسة وأم لولدين، تقول: “اشتريت دفاتر وأقلام من السوق الشعبي بنص السعر تقريباً، بس النوعية ضعيفة. حاولت أوفر قدر الإمكان، لأني بعرف أنه خلال شهر أو شهرين لازم أرجع أشتري من جديد بسبب رداءة الجودة. حتى اللباس المدرسي ما قدرت أشتري إلا قطعتين، وقلت للولاد نتبادل بين الأيام”.
أما أبو فارس، عامل بناء من حي الوعر، فقد اضطر إلى حلول أكثر صعوبة. يوضح: “معي خمسة أولاد بالمدرسة، ما عندي أي وسيلة غير الاستدانة. أخدت من جاري 700 ألف ليرة حتى أقدر أجهز قسم من الولاد، ولسا في تنين ناقصين. إحنا مو ضد التعليم، بالعكس، بس يا ريت الدولة تراعي ظروفنا. صرنا نحس إن المدرسة عبء مالي قبل ما تكون مكان للتعليم”.
المشكلة لا تقف عند حدود المصاريف الأولى، بل تمتد إلى تكاليف المواصلات والطعام اليومي، ما يضاعف من الضغوط. هناء خضر، موظفة في القطاع الصحي، تقول: “غير تجهيز المدرسة، في مصروف يومي للأولاد، من أكل وشرب ودفاتر إضافية. هاد المصروف ما بينحسب، بس فعلياً هو اللي بيستنزفنا أكتر. يمكن الواحد يجهزهم بداية السنة بشق الأنفس، بس بعدين يبدأ العجز الحقيقي”.
هكذا، تحولت العودة إلى المدارس في حمص إلى موسم قلق لا يفرح به الأطفال كما ينبغي. فبين الحقائب القديمة والملابس المرقعة والدفاتر الرخيصة، يكبر الإحساس بالفجوة بين القدرة المادية والطموح البسيط بحياة طبيعية. التعليم يبقى أولوية، لكنه صار يُشترى بثمن من الديون والتنازلات. ومع كل عام جديد، يزداد شعور الأهالي بأنهم عالقون في دائرة مغلقة من العجز، حيث يتحول الحلم بمستقبل أفضل لأبنائهم إلى معركة يومية مع الغلاء، يخسرون فيها أكثر مما يربحون.