يشكل اللقاء المرتقب بين سوريا وإسرائيل أواخر سبتمبر/أيلول الجاري برعاية الولايات المتحدة، محطة بالغة الأهمية في مسار الصراع السوري-الإسرائيلي، إذ يأمل البعض أن يشكل نقطة تحول نحو اتفاق أمني وربما خطوات أولية لسلام شامل. لكن الواقع السياسي على الأرض، وتجارب الماضي الطويلة، تجعل أي تفاؤل شديد بالنجاح المباشر لهذا الاجتماع مبكرًا وربما غير واقعي.
الإرث التاريخي وواقع الصراع
لا يمكن فهم أي مفاوضات حالية بمعزل عن التاريخ الطويل للصراع، وبخاصة اتفاق فصل القوات عام 1974، الذي جاء بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول ليضع حدًا للعمليات العسكرية المباشرة على الحدود، دون معالجة مسألة السيادة على الجولان. هذا الاتفاق شكل خطًا أمنيًا مؤقتًا أكثر منه حلًا سياسياً، وما زال إرثه يفرض نفسه على كل نقاشات اليوم. من هذا المنطلق، يميل الجانب السوري إلى اعتبار أي اتفاق أمني مجرد خطوة أولى، لا يشكل أي اعتراف بالوضع الإسرائيلي على الجولان، بل يركز على إنهاء الانتهاكات وتأمين الحدود.
الموقف السوري: حماية الحقوق والسيادة
دمشق ترى في الاتفاق الأمني فرصة للحد من الانتهاكات الإسرائيلية، لكنها لا تساوم على سيادة الجولان، ولا على الحقوق القانونية للسكان السوريين السابقين. من منظور سوري، أي ترتيبات أمنية يجب أن تصب في تعزيز سيطرة الدولة على الحدود، دون المساس بالحقوق التاريخية والسياسية، وأن تكون خطوة نحو إعادة بناء القانون والحقائق على الأرض، بما في ذلك التعامل مع التغييرات التي فرضتها إسرائيل منذ 1967 وحتى عملياتها الأخيرة في 2024.
الموقف الإسرائيلي: الأمن والسيطرة التدريجية
يُظهر الجانب الإسرائيلي حذرًا شديدًا، ويبتعد عن تقديم أي تعهدات واضحة بشأن مستقبل الجولان، مكتفيًا بالحديث عن ترتيبات أمنية عامة. هذا الموقف يعكس رغبة واضحة في الحفاظ على السيطرة على الأرض، مع تبرير أي نشاط أو توسع في الأراضي السورية تحت شعار حماية الأمن القومي، ما يجعل أي اتفاق شامل مستقبلي أكثر تعقيدًا. فالأمن الإسرائيلي لا يرتبط بالحدود فحسب، بل بتوسيع النفوذ في مناطق الجنوب السوري وفق مصالح استراتيجية بعيدة المدى.
الدور الأميركي: الرعاية والرمزية
تلعب الولايات المتحدة دور الراعي في هذا اللقاء، مستفيدة من الاتفاق المتوقع لإظهار نجاح سياستها في الشرق الأوسط، رغم إخفاقاتها السابقة في مواجهة تصرفات إسرائيل، وفشلها في إدارة أزمات مثل الحرب على غزة. بالنسبة للإدارة الأميركية، يمثل اللقاء فرصة لإعادة وضع واشنطن كوسيط مؤثر قادر على تقريب وجهات النظر بين طرفين مركزيين في الصراع العربي-الإسرائيلي، وإظهار صورة إيجابية قبل الانتخابات المقبلة، حتى لو كانت النتائج على الأرض محدودة.
التحديات الواقعية أمام الاتفاق
تواجه أي تسوية محتملة تحديات جوهرية:
الحدود والخرق المستمر: إسرائيل تستمر في أنشطة عسكرية واستيطانية في الجولان والشريط الحدودي، وهو ما يفرض قيودًا على قدرة أي اتفاق أمني على فرض التزام كامل من الطرف الإسرائيلي.
غياب التنازلات المتبادلة: السلام الحقيقي يحتاج إلى تنازلات متبادلة، بينما أي تنازل أحادي لن يؤدي سوى لتراكم الصراعات وتغذية التوترات المستقبلية.
الضغط الإقليمي: الصراع في المنطقة لا يقتصر على سوريا وإسرائيل، بل يمتد ليشمل أطرافًا إقليمية فاعلة، ما يجعل أي اتفاق ثنائي عرضة للتأثر بالمناورات السياسية الإقليمية.
سيناريوهات المستقبل
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات محتملة بعد اللقاء المرتقب:
الاتفاق الأمني المحدود: وهو الأكثر احتمالًا، يقتصر على ترتيبات أمنية على الحدود دون معالجة وضع الجولان أو الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية.
تسوية سياسية جزئية: قد تتضمن بعض التنازلات المحدودة في مجالات اقتصادية أو إنسانية، لكنها تبقى أقل بكثير من سقف طموحات السلام الشامل.
فشل التوصل إلى أي اتفاق: وهو سيناريو محتمل إذا لم تتجاوز الأطراف الخلافات الجوهرية، ما يعيد المشهد إلى نقطة البداية ويزيد من تعقيد الوضع الأمني والسياسي.
الخلاصة
يبقى الجولان نقطة حساسة وحاسمة في أي تسوية سورية-إسرائيلية. فالواقع على الأرض يظهر أن الأمن وحده لا يكفي، وأن أي اتفاق ناجح يحتاج إلى اعتراف متبادل بالحقوق التاريخية والسيادة، وإلى تنازلات متوازنة من الطرفين. فبدون ذلك، سيظل السلام بعيد المنال، وسيظل الصراع يحتفظ بإرثه الطويل من التعقيدات، مؤكداً أن كل خطوة سياسية أو أمنية يجب أن تُقرأ في سياق استراتيجي طويل الأمد، لا ضمن توقعات قصيرة المدى.