بعد ساعات من اتخاذ الحكومة اللبنانية قرار نزع سلاح حزب الله، انطلق أنصار المقاومة بمسيرات احتجاجية في بيروت وصيدا وصور والبقاع ومناطق أخرى، وهددت قوى سياسية مناوئة لها باستخدام الشارع ضدها، ومقابلة المظاهرة بمظاهرة مضادة، وتراجعت مساحة الحوار السياسي لدرجة تنذر بتصاعد قد يتطور إلى اضطرابات أمنية.
وما يزيد المشهد اللبناني تعقيداً أن إسرائيل تصعّد قصفها للبنان لتسريع آلية نزع سلاح الحزب والضغط عليه ليخضع لشروط الورقة الأميركية، مما يضعه أمام خيارات محددة للتعامل مع قرار الحكومة، فإما أن ينفذ قرار نزع السلاح، وينهي دوره كحركة مقاومة، ويترك استحقاق انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، وإطلاق سراح الأسرى اللبنانيين، وترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل، للحكومة اللبنانية لتعالجها وفق المسارات الدبلوماسية.
أو يرفض الحزب تسليم سلاحه، مما قد يؤدي إلى اقتتال داخلي وانشقاقات في صفوف الجيش والأجهزة الأمنية بحكم تركيبتها الطائفية، إذا أصرت الحكومة على تنفيذ قرارها بالقوة.
وإما أن يلجأ إلى تفعيل المقاومة المسلحة ضد الجيش الإسرائيلي في المناطق التي مازال يحتلها في جنوب لبنان، وهو ما يؤدي إلى توسع دائرة الاشتباك وربما إلى الحرب.
العقبة الأبرز والخيار الأهم
يشكل ملف سلاح حزب الله الامتحان الأصعب أمام الحكومة الجديدة التي تسعى لإثبات قدرتها على فرض سيادة الدولة وضبط السلاح المنفلت.
ويبدو أن حزب الله قد حسم موقفه برفض تسليم سلاحه وفق الشروط الأميركية الإسرائيلية الجديدة، حيث قال أمينه العام في كلمة بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لاغتيال رئيس هيئة أركان الحزب “كل من يطالب اليوم بتسليم السلاح، داخلياً أو خارجياً أو عربياً أو دولياً، هو يخدم المشروع الإسرائيلي”.
وطالب الشيخ نعيم قاسم “بإيقاف العدوان، وليس تسليم السلاح”، واعتبر بقاء إسرائيل في جنوب لبنان “مقدمة للتوسع، وليست نقاطاً من أجل المساومة ولا التفاوض عليها”.
وبالمقابل، سعى الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى تقديم صورة مختلفة، فخلال لقائه وفد اتحاد رجال الأعمال، شدد على ضرورة أن يخرج لبنان من الطائفية والمذهبية باتجاه “حزب واحد هو لبنان”، وثمن قرار الحكومة بنزع سلاح حزب الله، واعتبر مجلس الوزراء “منصة فعلية للنقاش واتخاذ قرارات غير مسبوقة”.
وحاول عون طمأنة الداخل والخارج بأن لبنان يواكب الاهتمام العربي والدولي بخطوات جديدة تعزز الثقة، في إشارة إلى أن بيروت لا تزال بحاجة إلى غطاء خارجي لتجاوز أزماتها البنيوية.
طريق مسدود
في البداية، اتسمت الحوارات بين الرئاسة اللبنانية وحزب الله بالإيجابية، استناداً إلى قناعة كل الأطراف أن الحوار الداخلي هو الطريق الأوحد لتقريب وجهات النظر، بعيداً عن استخدام القوة التي تجر لبنان للاقتتال والحرب الأهلية التي لا يسعى إليها أي طرف في ظل التركيبة الطائفية، وموازين القوى الداخلية.
ولكن الضغط الأميركي والتهديد الإسرائيلي، أوصلا الحوار إلى طريق مسدود، حيث رفض الحزب تسليم أسلحته الاستراتيجية أو الثقيلة بالتدريج أو على مراحل.
ولم تلتزم إسرائيل باستحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار الموقع مع لبنان رغم التزام الحزب بها،
وترفض الانسحاب من النقاط التي تحتلها في الجنوب، وما زالت تقصف لبنان وتقوم بعمليات قتل واغتيال في كامل الأراضي اللبنانية، وترفض الاستجابة لمطالب الدولة اللبنانية بالانسحاب من الجنوب، وبوقف عدوانها على الأراضي اللبنانية توطئة للحل.
وتحول الضغوط الأميركية دون احتفاظ الجيش اللبناني بأسلحة حزب الله التي سلّمها للدولة كالمسيرات والصواريخ المضادة للدروع، رغم أهميتها الدفاعية للدولة اللبنانية، حيث يضطر الجيش لتدميرها بدلاً من الانتفاع بها.
حلقة مفرغة
يبدو أن المشهد اللبناني يدور في حلقة مفرغة، حيث تعتبر إسرائيل سلاح حزب الله سبباً رئيسياً لبقائها في الجنوب، في حين يرى الحزب أن هذا السلاح ضمانة الردع ضد تل أبيب.
وتدرك حكومة لبنان أن لا سبيل للخروج من الأزمة وبعث الأمل في نفوس اللبنانيين، إلّا عبر فرض سلطة الدولة على كامل أراضيها، وإلزام حزب الله بالتخلي عن سلاحه، في وقت يسبب بقاء الاحتلال حرجاً سياسياً كبيراً لها، ويظهرها بمظهر الخاضع للإملاءات الخارجية.
فحزب الله متمسك بسلاحه، وإسرائيل تسعى لإنهاء الحزب، فيما تبقى واشنطن والقوى الدولية في موقع المراقب الضاغط، دون امتلاك أدوات حاسمة لتغيير الواقع على الأرض.
وإذا تراجعت الدولة عن مطلب بسط سلطتها خسرت صدقيتها والدعم الدولي، لكنها تحذر من خيار المواجهة المباشرة مع الحزب خشية الانزلاق إلى الاقتتال الداخلي وتهديد السلم الأهلي.
كما أن ملف سلاح حزب الله لم يعد شأناً داخلياً لبنانياً فقط، بل تحوّل إلى ورقة إقليمية ودولية مفتوحة على احتمالات متعددة.
وفي ظل هذه الحلقة المفرغة، يبدو لبنان مقبلاً على اختبار عسير، قد يحدد مستقبله لعقود مقبلة.
يذكر أن المبعوث الأمريكي إلى لبنان قدم للمسؤولين اللبنانيين خريطة طريق أمريكية مفصلة سمّيت بـ”ورقة براك” تضمنّت مطالب بنزع سلاح حزب الله والفصائل المسلحة في لبنان بشكل كامل قبل نهاية العام الحالي، مقابل وعد أميركي بانسحاب قوات إسرائيل من المناطق اللبنانية المحتلة المتبقية، ووقف الضربات الإسرائيلية على لبنان، وفتح باب الدعم المالي الدولي لإعادة إعمار مناطق في لبنان دمرتها الحرب الإسرائيلية الأخيرة.