لكل السوريين

حصى الفرات… شاب ثلاثيني من عفرين ينقش رسائل صغيرة تحمل روح النهر

اختار بوطان حمو (30 عاماً)، وهو مهجر من مدينة عفرين ويعيش في مدينة الطبقة التي لا تفارقها رائحة الفرات ولا تهدأ فيها ذاكرة النهر، أن يسلك طريقاً مختلفاً لم يشبه دروب التجارة ولا المهن التقليدية بل التقط حجراً صغيراً من ضفاف النهر، وقرر أن يمنحه حياة أخرى الحجر بالنسبة له ليس جماداً ولا شيئاً يُداس بالأقدام بل هو ذاكرة كاملة قطعة من النهر وشاهد على قصص الناس وأحلامهم وأفراحهم.

ويمسك بوطان الحصى كما لو أنه كتاب صغير يفتحه ليروي حكاية وعبر تقنية الحفر بالليزر يحول تلك القطعة الصلبة الصامتة إلى صفحة مضيئة، تحمل صورة أو بيت شعر أو وجهاً لحبيب غاب أو منظراً طبيعياً يحاكي ذاكرة البصر والروح معاً، إنه لا يكتفي بالرسم بل يحاول أن ينفخ في الحصى مشاعر إنسانية جديدة لتصبح هدية وتذكاراً ورسالة أبدية.

لم يكن اختيار الحجر صدفة فالنهر كان دوماً جزءاً من حياة أهل الطبقة ومن حياتهم العاطفية قبل المادية، عند ضفافه جلس العشاق وتسامرت العائلات وضحك الأطفال وهم يرمون الحصى في المياه ليعدّوا عدد القفزات على السطح، لذلك أراد بوطان أن يذكّر الناس أن الفرات ليس فقط مصدراً للماء والزرع بل هو أيضاً مكان للعاطفة وللحلم وللاستمرار.

ويقول بوطان، إن كل حجر يحمله من النهر يخبئ قصة غير مرئية حجر، قد يكون داسته قدماً عاشق قبل سنوات أو رماه طفل وهو يضحك، وحين يضعه بين يديه ويبدأ الحفر يشعر أنه يفتح صفحة قديمة ليكتب عليها من جديد.

إلا أن الفكرة لم تكن مجرد نزوة جمالية، ففي بلد أنهكته الحرب وضيقت فيه سبل الرزق أراد بوطان أن يجد عملاً يعينه على مواجهة الحياة في ظل البطالة التي تزداد بين الشباب، ليوفر المشروع له دخلاً بسيطاً لكنه مقبول ومع ذلك لا يتحدث بوطان عن المال بقدر ما يتحدث عن المعنى عن قدرته على تحويل الحجر إلى ما هو أبعد من قيمته المادية.

قصص على حصى

ولم يأتي زبائن بوطان من باب الفضول وحده، بل من باب الحاجة أيضاً حاجة إلى شيء مختلف عن الهدايا الجاهزة التي تباع في الأسواق، كثير منهم أراد أن يخلد لحظة شخصية عاشق طلب منه أن ينقش اسم خطيبته على حجر صغير ليحمله في جيبه أو يعلقه على صدره، أم جاءت تحمل صورة ابنها الراحل وطلبت منه أن يحفر ملامحه على قطعة ناعمة من حصى النهر لتضعها قرب سريرها، شاب أراد أن يكتب بيت شعر لأبيه في ذكرى رحيله، فتاة أرادت أن تحفر صورة شجرة كانت تلعب عندها، وهي طفلة كل تلك التفاصيل جعلت الحجر يتحول إلى أرشيف شخصي للذكريات وإلى وسيلة لحفظ العاطفة في مادة صلبة.

لم تكن الطريق سهلة تكلفة المعدات باهظة واستيرادها معقد في ظل الظروف، كما أن إقناع الناس بالفكرة لم يكن بسيطاً كثيرون نظروا في البداية إلى الحصى على أنه مجرد حجر عادي لا يستحق العناء، لكن بوطان كان يرى ما وراء السطح كان يرى الحصى مرآة يمكن أن تعكس أجمل ما في الإنسان.

وبدأ المشروع فردياً لكنه لم يبق محصوراً في زاوية صغيرة بل بدأ يتحول إلى مساحة للتفكير بإمكانية التوسع، وخلق فرص عمل أخرى، ويؤمن بوطان أن الاعتماد على الذات يبدأ بخطوة صغيرة ومن الممكن أن يكبر مع الوقت ليصبح ورشة يشارك فيها آخرون ممن يبحثون عن أمل جديد في بلد أنهكته الحرب.

ما يفعله بوطان ليس مجرد مشروع فني، بل هو فعل مقاومة هادئة ضد الخراب حين يحفر على الحصى فهو يحفر أيضاً في ذاكرة المكان ليقول للناس ما زال هنا ما يستحق أن نتمسك به الفرات، الذي كان دوماً رمز العطاء والخصب صار أيضاً شاهداً جمالياً من خلال حصاه الصغير الذي يتحول إلى رسالة أو قصيدة أو وجه.

هكذا استطاع شاب من الطبقة أن يجعل الحجر يتكلم، لم يعد الحصى مجرد شيء صامت بل صار مرآة للعاطفة ووسيلة لحفظ الذكريات وأداة لإعادة رسم العلاقة مع النهر ومع الحياة، وبينما يواصل بوطان عمله بصمت يبقى كل حجر يحمل صدى الفرات وكأن النهر نفسه يبوح برسائله عبر يديه.

- Advertisement -

- Advertisement -