لكل السوريين

زيزوف علي… دموع الجبال السورية تروي قصة صمودٍ في وجه اللهب

يوسف علي

عيناها العسليتان تتوهجان بصمت، وحاجباها المنحنيان يعكسان سنوات من الصبر والثبات، فيما خطوط وجهها المجعدة تحكي رواية حياة مليئة بالمقاومة والتحدي، السورية زيزوف علي، الثمانينية التي ولدت ونشأت في قلب جبال الساحل السوري، تقف شامخة في مواجهة الحرائق التي التهمت كل شيء حولها، من غاباتها الواسعة إلى ذكرياتها القديمة، وكأنها جزء من هذه الأرض التي عشقتها منذ الطفولة، دموعها تتساقط بهدوء لتروي قصة صمودٍ لا تحتاج إلى كلمات، تحكي عن حبها لأرضها وعن فقدانها لما كان يمثل بالنسبة لها حياة وذاكرة.

حين اقتربنا من منزلها في قرية عين الورد بسهل الغاب بريف حماة، كان الدخان يخنق المكان، ورائحة الاحتراق تعبث بالحواس، بينما ألسنة اللهب تتراقص بين الأشجار وكأنها تحاول ابتلاع كل شيء في طريقها، ومع ذلك رفضت زيزوف مغادرة منزلها، قالت بصوت خافت لكنه حازم: “هذه الأرض جزء مني، وحياتي هنا كانت مليئة بالذكريات، لا أستطيع أن أتركها حتى لو كان اللهب على أعتاب بابي”.

الثمانينية المقاومة لم تخف من وصول النيران إلى حدود منزلها، بينما كان أحد الأشخاص يحاورها، كان اللهب يلتهم الغطاء الأخضر الذي أحاط بمنزلها لعقود، لتقف هي بثبات، كجبلٍ صغير، أمام مأساة الطبيعة الغاضبة، نظراتها تتنقل بين الدخان واللهب، كأنها تودع كل شجرة وكل زاوية من الماضي الذي شكل حياتها، متمسكة بحب الأرض وبالمكان الذي احتضنها سنوات طويلة.

المنطقة المحيطة بقرية عين الورد، المعروفة بتضاريسها الجبلية العالية، أصبحت مشهداً مأساوياً، الرياح الشرقية الجافة تزيد من سرعة انتشار الحريق، فيما نقص المياه ووعورة الطرق يعقدان مهمة فرق الإطفاء المتجهة من محافظات أخرى.

إلا أن جهود المجتمع المحلي لم تتوقف، ففرق الدفاع المدني السوري، بدعم من الأهالي، تحاول بكل ما أوتيت من قوة وقف تمدد النيران ومنعها من الوصول إلى المزيد من القرى والمنازل، وسط صعوبة كبيرة في التنسيق والتحرك نتيجة الظروف الطارئة.

زيزوف علي ليست مجرد امرأة عادية؛ هي رمز لصمود الإنسان السوري أمام المحن والكوارث الطبيعية، ومثال على التعلق بالذاكرة والأرض والتاريخ الشخصي. كل شجرة تحترق، وكل فناء يغطيه الرماد، يمثل فقداناً لحياة كاملة، ولحكايات مترسخة في أعماق الجبال.

وعلى الرغم من كل هذا، تبقى زيزوف واقفة، لا تفرّ من اللهب ولا من الموت المحتمل، مؤمنة بقضاء الله وقدره، متمسكة بماضيها، ورافضة أن ينسى التاريخ ما تحمله هذه الأرض من ذكريات وحياة.

في حديث طويل معها، تحدثت زيزوف عن الأشجار التي تربت بين أحضانها منذ طفولتها، وعن أصوات الطيور التي كانت تملأ المكان صباحاً ومساءً، وعن الهواء النقي الذي كان يدخل من نوافذ منزلها الصغير، وعن الربيع الذي يغطي الأرض باللون الأخضر، وعن الخريف الذي يلون الأوراق بألوانه الذهبية. كل هذا اختفى اليوم تحت ألسنة اللهب، لكن روحها لم تتغير. قالت: “ربما تتحول الأشجار إلى رماد، لكن ذكرياتنا لا يمكن أن تحترق”.

ولا يقتصر تأثير الحريق على الطبيعة فقط، بل يمتد ليطال المجتمع المحلي الذي يعتمد على الزراعة والغابات في معيشته اليومية مزارعون فقدوا محاصيلهم، وأطفال فقدوا أماكن لعبهم، وكبار السن خافوا على حياتهم، فيما استمرت زيزوف علي في تأكيد موقفها الثابت، كل ما تفعله الآن هو مراقبة النار من نافذة منزلها، وتوجيه الأهالي والمتطوعين بكلمات قليلة لكنها محملة بالحكمة والخبرة: “حافظوا على حياتكم أولاً، الأرض ستبقى، لكن أنتم أغلى ما في الوجود”.

ووسط هذه المأساة، أظهرت وسائل التواصل الاجتماعي تضامناً واسعاً معها صورها وفيديوهاتها وهي تقف وسط الدخان واللهب انتشرت بسرعة، وتداولها المستخدمون تعبيراً عن الإعجاب بشجاعتها وثباتها، ورمزاً لمقاومة السوريين الذين واجهوا الحروب والكوارث الطبيعية دون أن ينهزموا.

زيزوف علي تعلّم الأجيال درساً في الصمود بالنسبة لها، كل شجرة حرقت، وكل زاوية دُمرت، وكل ذكرى ضاعت، هي دعوة لإعادة البناء، للمحافظة على الأرض، وللتشبث بالحياة رغم كل الظروف. فهي لا ترى نفسها مجرد ضحية للحرائق، بل شاهدة على قوة الإنسان أمام الطبيعة، ورمزاً لما يمكن أن تحمله الإرادة الإنسانية من صمود في مواجهة المحن.

وفي النهاية، تبقى زيزوف علي صورة حية للشموخ السوري، امرأة صغيرة الحجم أمام النار الهائلة، لكنها كبيرة في قلبها وإرادتها. صمودها أمام اللهب يجعل من قصتها أكثر من مجرد حريق في الغابة؛ إنها حكاية عن المقاومة، عن الذكريات، عن الإنسان الذي يرفض الانكسار، وعن حب الأرض الذي لا يموت، مهما أكلت النيران من خضرتها وجمالها.

- Advertisement -

- Advertisement -