لكل السوريين

بين الابتكار والتنفيذ.. هل تتفوق الصين على أميركا في توظيف الذكاء الاصطناعي الاستخباراتي؟

في الوقت الذي يشهد فيه العالم ثورة تقنية غير مسبوقة، يتسارع إيقاع السباق العالمي بين القوى الكبرى لاختبار وتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، لاسيما في البيئات الاستخباراتية والأمنية شديدة الحساسية. ومع تنامي الإمكانات غير المسبوقة لنماذج اللغة الكبيرة (LLMs)، تتصاعد التساؤلات الجادة: من سيفوز في هذا السباق المصيري؟ هل تكون الولايات المتحدة، صاحبة اليد الطولى في الابتكار التكنولوجي؟ أم الصين، التي تُظهر شراسة في التنفيذ وسرعة في دمج هذه التقنيات داخل مؤسساتها الأمنية؟

جرس إنذار في واشنطن

في مفارقة لافتة، تزامن يوم تنصيب دونالد ترمب رئيساً للولايات المتحدة مع إعلان شركة صينية تُدعى “DeepSeek” عن إطلاق نموذج لغوي كبير نال اعترافًا عالميًا. لم تمرّ هذه الخطوة مرور الكرام داخل أجهزة الاستخبارات الأميركية؛ إذ وصفها ترمب بـ”جرس إنذار”، بينما أقرّ السيناتور مارك وارنر، نائب رئيس لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، بأن “المجتمع الاستخباراتي الأميركي فوجئ تمامًا” بهذا التقدم الصيني، وفق ما نشرته مجلة ذي إيكونوميست.

تلك اللحظة شكّلت نقطة تحوّل، دفعت إدارة الرئيس جو بايدن لاحقًا إلى إطلاق خطة طوارئ لتعزيز تجارب وكالات الدولة، وخصوصًا الاستخبارات والبنتاغون ووزارة الطاقة، مع أبرز شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة عالميًا، من أمثال “OpenAI” و”DeepMind” و”Anthropic” و”Google DeepMind”.

البنتاغون يفتح الخزائن

في خطوة تشير إلى تغير عميق في العقيدة الأمنية الأميركية، خصص البنتاغون في يوليو الماضي ميزانية تصل إلى 200 مليون دولار لعقود مع أربع شركات، بينها “xAI” التابعة لإيلون ماسك، لاختبار وتطوير “نماذج الوكيل الذكي” (AI Agents). هذه النماذج تتجاوز الدردشة أو توليد النصوص، لتُنفذ مهام معقدة بشكل آلي، وتفككها إلى خطوات منطقية، بل وتسيطر على أجهزة حاسوبية أو مادية (مثل الطائرات أو المركبات الذكية)، ما يفتح الباب أمام عصر جديد من الأتمتة الاستخباراتية.

مرحلة جديدة في غرف الظل

التحولات ليست تجريبية فقط. فقد أعلنت شركة مايكروسوفت، في يناير الماضي، أن 26 من خدماتها السحابية أصبحت معتمدة للاستخدام الأمني الأميركي، ما يتيح بيئات محمية لتشغيل النماذج المتقدمة. كما أطلقت شركة “Anthropic” نموذجاً مخصصاً للاستخدام الحكومي، تحت اسم “Claude Gov”، يُستخدم بالفعل داخل وكالات الأمن القومي الأميركي.

وتُجري الشركات تعديلات دقيقة على هذه النماذج قبل إدخالها في الاستخدام الرسمي، بما يشمل تجاوز قيود الأمان العامة، وتدريبها على لهجات مصطلحية خاصة بالمؤسسات الحكومية، إضافة إلى تقييدها داخل بنى تحتية معزولة. وفي حالات أخرى، بدأت بعض الوكالات بتطوير نماذجها الخاصة ضمن شبكاتها المغلقة، ما يدل على ارتفاع مستوى الثقة – وكذلك الحذر.

أوروبا تُحاول تقليص الفجوة

لم تقف أوروبا موقف المتفرج. ففي المملكة المتحدة، كشفت مصادر أمنية عن أن وكالات الاستخبارات تمتلك إمكانية الوصول إلى نماذج متقدمة للغاية، قادرة على التعامل مع معلومات فائقة السرية. وتتصدر شركة “Mistral” الفرنسية المشهد الأوروبي، كونها الشريك الرسمي لوكالة الذكاء الاصطناعي العسكرية الفرنسية. يتميز نموذجها “Saba” بتفوقه في فهم اللغات الإقليمية، كاللغة العربية والتاميلية، نتيجة تدريبه المكثف على بيانات من الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وهو ما يمنحه ميزة استراتيجية في تحليل بيانات من مناطق الصراع.

أما إسرائيل، فأظهرت مؤشرات على زيادة تبني نماذج مثل “GPT-4” خلال حرب غزة، حيث ارتفع استخدامها داخل الجيش الإسرائيلي بنسبة 2000%، بحسب تقارير إعلامية.

البطء الأميركي: عقلانية أم تردد؟

رغم المؤشرات المتعددة على تسارع التجارب، ترى بعض الأصوات أن مؤسسات الأمن القومي في أميركا لا تزال تسير بوتيرة أبطأ مما تتيحه قدرات الذكاء الاصطناعي الحالية. تقول كاترينا موليجان، مسؤولة سابقة في وزارة الدفاع وتشغل اليوم منصب رئيس الشراكات الأمنية لدى “OpenAI”، إن الاستخدام الاستخباراتي لهذه النماذج “لا يزال بعيدًا عن طموحات المطورين”. ويشكل استثناءً في هذا السياق وكالة الأمن القومي (NSA)، التي تستفيد من خبرتها الممتدة في تحليل البيانات الصوتية والتجسس الإلكتروني.

أما تارون تشابرا، مدير سياسات الأمن القومي في “Anthropic”، فيؤكد أن التحول الجذري المطلوب لا يقتصر على استخدام أدوات ذكية، بل يتطلب إعادة تصميم كاملة لمنهجية تنفيذ المهام داخل المؤسسات الأمنية.

المخاطر المضمَنة في الوكلاء الأذكياء

لكن مع الفرص تأتي المخاطر. يُحذر الدكتور ريتشارد كارتر، من معهد آلان تورينغ البريطاني، من الاعتماد المفرط على “الوكلاء الأذكياء” الذين قد يُنتجون أخطاء تراكمية قاتلة بسبب آلياتهم الذاتية التكرارية. ويشير إلى تقييم داخلي أجرته “OpenAI”، كشف أن معدل “الهلوسة” – أي إنتاج معلومات خاطئة – في نموذج “ChatGPT Agent” يبلغ نحو 8%.

لتقليل هذه الأخطاء، تميل الاستخبارات البريطانية إلى الاعتماد على تقنية “التوليد المعزز بالاسترجاع” (RAG)، التي تربط النماذج ببيانات واقعية موثوقة لتفادي الانحرافات.

وتشير تقارير إلى أن شركة “Mistral” قدّمت عروضاً لبعض وكالات الأمن الأوروبية لتجربة وكلاء ذكيين متخصصين في تحليل بيانات نوعية، مثل صور الأقمار الصناعية والاتصالات الصوتية، ما يختصر زمن اتخاذ القرار إلى دقائق.

الصين في الخلفية… وتقترب من المقدمة؟

رغم الضجيج الإعلامي حول الإنجازات الأميركية، يزداد القلق داخل الدوائر الغربية بشأن ما يُعدّ “صندوقاً أسود” صينياً في مجال الذكاء الاصطناعي. يقول فيليب راينر، من معهد الأمن والتكنولوجيا في وادي السيليكون: “ليست لدينا صورة دقيقة عن مدى استخدام الصين لنماذجها، مثل DeepSeek، في تطبيقات عسكرية أو استخباراتية. ولكن من الواضح أنهم لا يُقيدون أنفسهم بنفس القواعد التنظيمية التي نعتمدها”.

وقد دفعت هذه المخاوف إدارة ترمب إلى إصدار توجيهات عاجلة للبنتاغون ووكالات الاستخبارات، تقضي بإجراء مراجعة شاملة لوتيرة تبني هذه التقنيات، ووضع خطة استجابة ديناميكية للتكيّف مع السباق المتسارع.

ويُجمع الخبراء على أن التأخر في “التبني” قد يكون أكثر خطورة من التأخر في “التطوير”. يقول السيناتور مارك وارنر: “لم نكن نراقب تقدّم الصين كما يجب”. بينما تحذر موليجان بلهجة أكثر صراحة: “الخطر الحقيقي لا يكمن في الفشل بتطوير الذكاء الاصطناعي، بل في خسارة سباق استخدامه في الميدان”.

- Advertisement -

- Advertisement -