في كل مرة تهدأ فيها الأوضاع الأمنية في مدينة حلب، تعود من جديد أخبار الاغتيالات لتوقظ قلق السكان وتشعرهم بالخوف من جديد، فحالات القتل التي تقع بين الحين والآخر، سواء في وضح النهار أو في ساعات الليل، أصبحت واقعاً مألوفاً لدى الأهالي الذين لم يعودوا يأمنون على أنفسهم ولا على أبنائهم.
حيث أن مشهد سيارات مسرعة، وأشخاص ملثمين، وأصوات إطلاق نار مفاجئة، ثم جثة هامدة في الشارع، أصبحت تتكرر بوتيرة تثير الرعب، فيما يبدو أن غياب الاستقرار وانتشار السلاح بلا ضوابط، يضع مدينة حلب في دائرة مغلقة من العنف والخوف.
في أحد شوارع حي الفرقان، يجلس أبو محمد أمام محله كعادته، يتبادل أطراف الحديث مع جيرانه ويشرب كوب الشاي اليومي، قبل أن تتغير الملامح في لحظة صمت مريبة، ويحدث ما لم يكن في الحسبان.
يقول أبو محمد في حديثه “للسوري” : “كنا جالسين عندما توقفت فجأة سيارة بدون لوحات، نزل منها ثلاثة ملثمين بسرعة، واتجهوا نحو شاب كان يمر قرب الرصيف وأطلقوا عليه الرصاص بشكل مباشر. سقط الشاب فوراً، وهربوا كأن شيئاً لم يكن”. يضيف وقد بدت عليه علامات الارتباك: “كأنهم مدربون، العملية لم تستغرق أكثر من دقائق، لا أحد فهم شيئاً. الحي كله أصيب بالذهول، والناس ما عادوا يشعرون بالأمان، صرنا نخاف من أي شخص غريب بالحارة “.
المخاوف لا تقتصر فقط على شهود الحوادث، بل تمتد إلى شرائح واسعة من السكان الذين يشعرون بأنهم مستهدفون بشكل أو بآخر. السيدة “أم نور” وهي أرملة شرطي سابق، تحدثت بقلق واضح عن شعورها بالخطر، وتقول: “زوجي كان شرطياً قبل أن يُحال إلى التقاعد، ومن وقتها ونحن نشعر أننا مراقبون. في ظل هذه الفوضى وانتشار السلاح، لم يعد أحد في مأمن. هناك فوضى حقيقية، والناس تعيش حالة من الرعب، لا سيما إذا كانوا محسوبين على جهة معينة أو لديهم ماضٍ أمني أنا خائفة على اولادي من وضع المدينة الحالي.
حي الشعار في الجهة الشرقية من المدينة تحوّل خلال الأشهر الأخيرة إلى مسرح شبه دائم لحوادث القتل الغامضة وعمليات التصفية. أبو بكري أحد سكان الحي، عبّر عن استيائه من الوضع الأمني قائلاً: “ما نريده فقط هو أن نعيش بأمان، أن ننام ونستيقظ دون أن نسمع عن جريمة جديدة في الحي”. ثم تابع بنبرة غاضبة: “الناس تعبت، لا يمكن أن نتحمل أكثر. هناك تقصير فاضح من قبل الحكومة، وأجهزة الأمن إما أنها عاجزة أو متواطئة، وهذه المصيبة الأكبر. كيف يمكن لملثمين أن ينفذوا عمليات بهذه الجرأة دون أن يُكشفوا؟”.
أبو بكري لم يخفِ نقده المباشر للأمن العام، مشيراً إلى أن عناصره يفتقرون للخبرة، ويعتمدون على الأساليب القمعية أكثر من التحقيقات المهنية، وهو ما ولّد حالة من الغضب الشعبي. يقول: “بدل ما يحمونا، صاروا يدوروا على شباب الحي ويستدعوهم بلا سبب، هذا مو شغل أمن، هذا قمع. نحن بحاجة لأجهزة تحمينا مو ترعبنا”.
تزايد عمليات الاغتيال، وسط صمت رسمي وعدم وجود بيانات توضح مايجري من أحداث ، الأمر الذي دفع العديد من السكان إلى التزام منازلهم، وتجنب الخروج ليلاً، فيما عمد البعض إلى تركيب كاميرات مراقبة أو التنقل ضمن مجموعات خوفاً من الاستهداف. حالة من الشلل الاجتماعي باتت واضحة، وأثّرت سلباً على الحياة اليومية، من العمل إلى الدراسة وصولاً للعلاقات الاجتماعية وزيارة الأقارب ويطالب أهالي حلب في ضل هذه الظروف المعقدة بتحسين الواقع الأمني للمدينة محملين الحكومة المسؤولية الكاملة لما يجري.