الرقة/ حسن الشيخ
رغم ما مرت به المنطقة من متغيرات اجتماعية وأزمات اقتصادية وأحداث سياسية، لا يزال الريف السوري، وخصوصاً أرياف الرقة تحتفظ بشيء من أصالة العلاقات الاجتماعية التي شكلت نسيجه منذ مئات السنين في قلب هذا المجتمع البسيط حيث تتجلى الروابط الأسرية والعائلية بشكل واضح، ولا تزال القبيلة والعائلة والجيرة تلعب دوراً أساسياً في حياة الفرد وتفكيره اليومي.
يبقى الريف السوري، وريف الرقة خاصة، نموذجاً غنياً في التكافل الاجتماعي والترابط الأسري. وفي زمن بات فيه الفرد محوراً للعالم، ويذكرنا الريف أن العائلة ما تزال الجذر الأعمق لأي بناء اجتماعي سليم.
البيت الكبير
في معظم قرى الريف، لا تزال الأسرة الممتدة الجد والجدة والأبناء والأحفاد يعيشون في بيت واحد أو ضمن حيز مكاني مشترك حيث يقول المسن خليل العيسى من قرية تل السمن ( ريف الرقة الشمالي) :”نحن نعيش جميعاً تحت سقف واحد، حتى وإن ضاق بنا المكان القلوب إذا اتسعت لا يضيق بها بيت، ويضيف بأن هذا الشكل من التعايش لا ينعكس فقط على المأوى، بل على العادات اليومية كتناول الطعام جماعياً، والتشارك في العمل، والحضور الجماعي للمناسبات السعيدة أو الحزينة.
ويؤكد بأن هذه الصورة مرتبطة بقواعد مجتمعية عريقة تمثل جذور العلاقات المجتمعية في مناطق شمال وشرق سوريا على العموم، فمن المستغرب أن تجد الأفراد منعزلين عن أصولهم وفروعهم فالكل مرتبط بعائلة كبيرة، وحيز أكبر تشكل صلة القرابة والطبيعة العشائرية المميزة سقفها أو ما يعرف بالبيت الكبير العامر.
لا يحتاج الريفي إلى مؤسسات ضمان اجتماعي فـ”أبناء العم” و”أولاد الخال” و”الجيران” هم الضمان الحقيقي، ففي حال المرض، تجد أهل القرية يتناوبون على رعاية المريض؛ وإذا حلت كارثة، يتكافلون لجمع المال. هذه الروح التضامنية تشكل صمام أمان للفرد، وخصوصاً في ظل ضعف الخدمات العامة أو غيابها.
دور المرأة في حفظ النسيج الاجتماعي
النساء في الريف لسن فقط عاملات في الحقول أو مربيات للأبناء، بل هنّ أيضاً حارسات للعادات والتقاليد. تلعب الجدات والأمهات دوراً كبيراً في حفظ القصص الشعبية، وتعليم الجيل الجديد معاني الاحترام والوفاء، وهو ما تؤكده المسنة هنوف الأحمد من قرية النهضة بريف الرقة الشمالي قائلة: “نحن من نعلّم الأولاد معنى الشرف والكرم، وواجب مساعدة الأقارب، والوفاء للجيران، والفزعة في النوائب، واحترام الجيران، وتقديم العون لهم، وهذا الأمر يشكل مصدر قوة المجتمع الريفي ويقوي نسيجه المجتمعي.
وتشدد في ختام حديثها على وجوب التمسك بالجذور وكل العادات والتقاليد الأصيلة التي كانت ولا زالت مرتبطة بضمان استمرار المجتمع الريفي، ويحميه من الاندثار والحداثة بكل معانيها السلبية المقلدة التي دمرت كل شيء جميل.
ورغم هذه الصورة المتماسكة، إلا أن الهجرة إلى المدينة، والتغيرات الاقتصادية، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، بدأت تؤثر بشكل ملحوظ على طبيعة العلاقات، خاصة بين الجيل الجديد. ومع ذلك، لا تزال العائلات الريفية تسعى للحفاظ على أصالتها، وتوريث أبنائها القيم التي نشأت عليها.