يوسف علي
رغم مرور أكثر من سبعة أشهر على سيطرة الحكومة السورية الانتقالية على عدد من قرى الساحل السوري، لا تزال الأوضاع الإنسانية في تلك المناطق تشهد تدهوراً مستمراً، في ظل غياب أي حلول أمنية أو معيشية مستدامة.
وفي الوقت الذي باتت فيه القرى بعيدة نسبياً عن خطوط الاشتباك، يعيش السكان حالة من القلق الدائم نتيجة سلوكيات متكررة توصف بأنها “مقلقة” تمارسها مجموعات مسلحة مرتبطة بوزارة الدفاع التابعة لـ”الحكومة السورية المؤقتة”.
ويستيقظ الأهالي بشكل شبه يومي في ساعات الليل أو قبيل الفجر على أصوات إطلاق نار كثيف من أسلحة رشاشة ومضادات طيران، تترافق مع قذائف “آر بي جي” وهتافات دينية وتكبيرات تُبث عبر مكبرات الصوت، ما يثير حالة من الذعر، خصوصاً بين الأطفال.
ورغم تبرير هذه الأفعال على أنها جزء من “تدريبات عسكرية” أو احتفالات بأعراس محلية، يرى سكان ومراقبون أنها تحمل طابعاً ممنهجاً من الترهيب، ما يدفع الأهالي للاحتماء داخل منازلهم، في مشهد يعيد إلى الأذهان أيام التصعيد العسكري.
تقول “أم سامر”، وهي أم لثلاثة أطفال من إحدى قرى الساحل: “ابني الأوسط لا ينام إلا وهو ممسك بيدي، وكلما سمع صوتاً عالياً يرتجف ويبكي. لا نعلم إن كان ما يحدث تدريباً عسكرياً أو رسالة تهديد، لكننا نعيش كل ليلة كأنها بداية حرب جديدة”.
وتتكرر هذه الظواهر بشكل يومي تقريباً، ما دفع الأهالي لتوجيه مناشدات عديدة إلى قادة الفصائل لوقف هذه الممارسات، دون أي استجابة تُذكر.
في هذا السياق، يقول ناشط حقوقي مقيم في المنطقة، فضّل عدم الكشف عن اسمه لدواعٍ أمنية، إن ما يحدث في محافظة اللاذقية من إطلاق النار بشكل متكرر وعشوائي ليس سوى “قصف نفسي منظم”.
ويضيف: “هذه الممارسات ليست تدريبات بالمعنى التقليدي، بل رسائل ترهيب تهدف إلى فرض الهيبة وبسط السيطرة النفسية على السكان. الأصوات وحدها كفيلة بتدمير ما تبقى من شعور بالأمان.”
ويتابع؛ “حتى وفقاً لأبسط القيم الدينية وقواعد الاشتباك، لا يجوز تعريض المدنيين لهذا النوع من الإيذاء النفسي المتعمد، لكن غياب الرقابة والمحاسبة يحول هذه الانتهاكات إلى نمط حياة يومي.”
من جانبها، أصدرت منظمة حقوقية محلية تقريراً حذّرت فيه من التبعات النفسية الخطيرة على الأطفال في هذه القرى، مشيرة إلى تزايد حالات التبول اللاإرادي، واضطرابات النوم، والعزلة الاجتماعية، ووصفت ما يجري بأنه “عنف نفسي جماعي” يمارَس بشكل ممنهج عبر ما سمّته “الانتهاكات الصوتية المتكررة”.
ورغم المناشدات المتواصلة، لم تسجّل أي خطوات عملية لوقف هذه الظواهر، مما يكرّس واقعاً من الخوف والقلق، حتى في مناطق يُفترض أنها تجاوزت مرحلة الحرب العسكرية.