في زمنٍ اشتدت فيه الحاجة إلى أفعال تُجسّد النوايا، لا مجرّد وعود على ورق، جاءت خطوة إحداث “صندوق التنمية” بموجب المرسوم الجمهوري رقم 112 لعام 2025، لتنبض بشيء من الرجاء في جسد وطنٍ أنهكته سنوات الحرب، واستنزفت طاقته الأزمات.
الصندوق، بحسب ما ورد في تفاصيل القرار، ليس مجرد كيان إداري يُضاف إلى قائمة طويلة من المؤسسات، بل هو مؤسسة اقتصادية ذات طابع تنفيذي مباشر، تتمتع بشخصية اعتبارية واستقلال مالي وإداري، وُلدت بهدف واحد: الإسهام الحقيقي والفعّال في إعادة الإعمار، لا بالشعارات، بل بالتمويل المباشر، وبقرض حسن لا يثقل كاهل المُقترض، ولا يختبئ وراء فخاخ البيروقراطية.
هذا الصندوق، يشبه بصيغته وغاياته “صندوق مارشال” الشهير الذي ساعد أوروبا، وتحديداً ألمانيا، على النهوض من رماد الحرب العالمية الثانية. إن تأسيس مثل هذا الصندوق في سوريا اليوم ليس ترفاً مؤسساتياً، بل ضرورة وجودية، في ظل ما يعانيه الناس من انعدام البنى التحتية الأساسية، وتدهور الخدمات، وغياب مقومات الحياة.
إن صندوق التنمية يمكن أن يكون طوق نجاة حقيقياً، بفضل ما يتمتع به من مرونة وسهولة في التمويل، بعيداً عن عوائق الروتين القاتل. فالصندوق لا يخاطب فقط الجهات الحكومية، بل يفتح أبوابه للمستثمرين، والشركات، وحتى الأفراد الراغبين في المساهمة بجهود الإعمار. لا ضرائب، لا فوائد، ولا حاجز أمام الطموح. إنها دعوة مفتوحة لعودة العجلة الاقتصادية إلى الدوران.
وربما الأهم من ذلك، هو اعتماد “القرض الحسن” كوسيلة تمويل رئيسية، وهو ما يمنح الصندوق بُعداً أخلاقياً واقتصادياً في آنٍ معاً. فالقرض بلا فوائد لا يكتفي بتشجيع الشركات المحلية، بل يفتح الباب واسعاً أمام الشركات الخليجية والإسلامية التي كانت مترددة في دخول السوق السورية بسبب المعايير البنكية التقليدية. بهذا الشكل، يتحول الصندوق إلى منصة وطنية ذات طابع دولي، تحتضن رؤوس أموال قد تساهم بفعالية في النهوض من تحت الركام.
أما الأولويات، فلا مجال للمجاملة فيها. “لا حياة بلا ماء، ولا حياة بلا كهرباء”. قد تُحتمل الطرق الوعرة لبعض الوقت، لكن لا يمكن لحياة أن تستمر دون ماء نظيف وكهرباء منتظمة. ومن هنا يمكن الإسراع في إعادة تأهيل شبكات المياه، واعتماد حلول مبتكرة، مثل تحلية مياه البحر، أو جرّ جزء من مياه نهر الفرات إلى المدن الرئيسية، أو إحياء مشروع “مياه السن” لنقل المياه من الساحل إلى الداخل، وهو مشروع وُضع على الرف، رغم أهميته الحيوية.
صندوق التنمية، يتجاوز كونه مجرّد ممول. إنه جهة تنفيذية بامتياز، تمتلك القدرة على تمويل المشاريع بشكل مباشر، دون الحاجة لاجتياز متاهات البيروقراطية التقليدية. كما أنه قادر على رسم خريطة واضحة لأولويات التمويل، تبدأ بالبنية التحتية، ولا تنتهي بالمنشآت الاقتصادية.
ولعل من أبرز ملامح رؤيته المستقبلية، أنه سيسمح بالاستيراد المباشر للآليات والمعدات الهندسية والزراعية دون جمارك، ما يعزز حيوية الورش الصغيرة والمشاريع المتوسطة، ويُعيد ترميم الدورة الاقتصادية من الأساس، دون انتظار عجلة الدولة الثقيلة.
في المحصّلة، إذا ما أحسن تفعيل هذا الصندوق، وتمّت حمايته من الفساد والتسييس، فقد يكون حجر الزاوية في مشروع بناء سوريا الجديدة؛ سوريا الممكنة رغم الألم، والباقية رغم الخراب.
في لحظة شديدة الحساسية كهذه، لا نحتاج إلى المزيد من اللجان، ولا إلى جدران من الورق، بل إلى نوافذ تفتح على ضوء، وقرارات تنفَّذ لا تُؤجَّل. وسوريا تستحق أن تُبنى من جديد، دون أن تُهدَم مجدداً في التفاصيل.