لكل السوريين

هل يحل التطبيع مشكلات سوريا؟

هيئة التحرير

في ظل التحولات الجذرية التي شهدتها سوريا خلال العقد الأخير، تطرح العديد من الأسئلة الكبرى نفسها بإلحاح، وعلى رأسها: هل يمثل التطبيع مع إسرائيل حلاً لمشكلات سوريا المعقدة؟ وما الذي تعنيه “سوريا الجديدة” في ظل التغيرات الإقليمية والدولية؟ وهل يمكن أن يكون الانفتاح على إسرائيل بداية لعهد من الاستقرار أم أنه قفزة نحو فراغ سياسي وأخلاقي؟ هذه الأسئلة تكتسب مشروعية إضافية إذا ما وضعناها في سياق الواقع السوري المتشظي سياسيًا، واقتصاديًا، وطائفيًا، وجغرافيًا.

سوريا المحطمة: بلد يبحث عن ذاته

لم تعد سوريا اليوم دولةً كما كانت تُعرف من قبل. إنها بلد محطّم، أنهكته الحرب، وأثقل كاهله الحصار الاقتصادي المفروض عليه، خاصة من الولايات المتحدة. خارطة سوريا السياسية لم تعد واضحة، لا بمعنى الجغرافيا فحسب، بل أيضًا بمعنى السيادة والانتماء. أكثر ما تحتاجه سوريا اليوم هو استعادة وحدتها الوطنية والسياسية، التي تشكل الركيزة الأولى لأي مشروع نهضوي. بدون هذه الوحدة، لا يمكن تصور أي معالجة جدية لمشكلاتها الداخلية والخارجية.

الإرث الطائفي ومعضلة الأقليات

إحدى أبرز القضايا التي أفرزها الانهيار السوري هي مشكلة الأقليات، التي ظلت لسنوات تُدار في الظل، دون معالجة صريحة أو حقيقية. في ظل حكم حافظ الأسد ومن بعده بشار، كانت الأقليات، وخصوصًا الطائفة العلوية، تشعر بشكل من الحماية السياسية، وإن لم تكن مساواة المواطنة مكتملة. لكن مع انهيار النظام القديم، خرجت هذه المسائل إلى السطح. تفاقم الخوف من فقدان الطابع المدني للدولة، وتفاقمت الهويات الطائفية، خاصة في مناطق مثل اللاذقية وطرطوس وجرمانا، حيث اندلعت أعمال عنف طائفي مقلقة.

التحولات المفاجئة جعلت الأقليات تشعر بالقلق، لا لأن “الأكثرية” صعدت فجأة إلى السلطة، بل لأن ماضي القوى الصاعدة لم يكن يوحي بمستقبل تعددي أو مدني. هذا التوتر الطائفي هو قنبلة موقوتة تهدد بنسف أي مشروع وطني جامع.

الزيارات إلى إسرائيل: تطبيع أم انكشاف؟

في هذا السياق الملتبس، ظهرت مؤشرات جديدة، مثل زيارات بعض الزعامات الدينية الدرزية السورية إلى إسرائيل. هذا السلوك فُسّر على أنه شكل من أشكال التطبيع الشعبي، في وقت يُفترض أن تكون الدولة السورية في طور إعادة التوازن وإعادة بناء نفسها. اللافت أن هذه الزيارات لم تُقابل برد فعل غاضب من النظام الجديد، وهو ما يشي بأن “قانون العداء لإسرائيل” الذي كان سائدًا في زمن الأسد ربما لم يعد فاعلاً، أو لم يعد ضروريًا من وجهة نظر الحكم الجديد.

لكن السؤال الجوهري هو: هل طُويت صفحة العداء مع إسرائيل؟ وإذا كانت القوانين القديمة لا تهم أحدًا اليوم، فما الذي يحكم العلاقات الخارجية لسوريا الجديدة؟ الواضح أن النظام الجديد يسعى إلى أن يكون مقبولًا إقليميًا ودوليًا، ولو كان الثمن التخلي عن ثوابت سياسية لطالما رُوج لها كجزء من الهوية القومية لسوريا.

الدور الإسرائيلي: من الظل إلى الشراكة الصامتة

لا يمكن فهم التغير الذي حصل في سوريا دون الأخذ بعين الاعتبار وجود توافق دولي وإقليمي قاد إلى هذا التحول، تشارك فيه كل من الولايات المتحدة وروسيا، إلى جانب تركيا وإسرائيل. كانت لإسرائيل مصلحة استراتيجية واضحة في تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا. وربما أكثر ما تسعى إليه تل أبيب اليوم ليس التطبيع السريع مع النظام الجديد، بل قطع شريان الحياة الإيراني في سوريا، وتفكيك البنية العسكرية والسياسية التي نسجها الحرس الثوري هناك على مدى سنوات الحرب.

وبالنسبة لإيران، فإن خسارة سوريا بعد لبنان تمثل ضربة استراتيجية قاصمة. وهو ما يعيد ترتيب موازين القوى في الإقليم بشكل غير مسبوق منذ عقود.

ما بعد إيران: تحديات الدولة الممزقة

حتى وإن تحقق لإسرائيل والولايات المتحدة ما أرادوه في سوريا من حيث تحجيم إيران وتغيير النظام، فإن التحديات الداخلية لا تزال هائلة. هناك مشكلات اقتصادية خانقة، وخريطة سياسية مشوهة، وأزمات هوية طائفية وعرقية. لا يمكن لأي نظام مهما كانت دعمه الخارجي أن ينجو في بيئة من هذا النوع دون مشروع وطني جامع.

يضاف إلى ذلك الوجود الدائم لجماعات إسلامية مسلحة، كثير من أفرادها من غير السوريين، والذين لا يمتلكون تصورًا لدولة مدنية، ولا يعرفون شيئًا عن المواطنة أو التعددية. هؤلاء يمثلون تهديدًا دائمًا لأي سلم أهلي، ولا يبدو أن النظام الجديد قادر أو راغب في تفكيك هذه الجماعات تمامًا، إذ ربما يعتمد عليها كأدوات أمنية أو سياسية في المدى القصير.

تطبيع بلا دولة؟

التطبيع، في ظل هذه المعطيات، يبدو كخيار أقرب إلى الضرورة السياسية منه إلى القناعة الذاتية أو الشعبية. النظام الجديد، الباحث عن الشرعية الدولية، ربما يرى في التطبيع وسيلة لاختصار طريق القبول الغربي والدعم المالي لاحقًا. لكنه لن يكون حلًا لأيّ من أزمات سوريا الحقيقية.

فما فائدة التطبيع مع إسرائيل في وقت لم تُحسم فيه ملفات مثل:

وحدة الأراضي السورية.

شكل النظام السياسي المقبل.

العلاقة مع الأقليات.

الأمن الغذائي والدوائي.

مصير اللاجئين والمعتقلين.

هذه كلها أولويات أكثر إلحاحًا من إقامة علاقات مع إسرائيل.

لا حلول سحرية في الأفق

تبدو سوريا اليوم وكأنها في مفترق طرق معقد للغاية. التطبيع مع إسرائيل قد يمنح النظام الجديد بعض الحصانة الخارجية، وربما يفتح الأبواب أمام تفاهمات اقتصادية أو سياسية مع الغرب. لكنه لن يحل أيًّا من الأزمات العميقة التي يعيشها السوريون في الداخل. بل قد يزيد الشرخ الشعبي ويعزز الإحساس بالخيبة الوطنية.

الرهان الحقيقي يجب أن يكون على مشروع وطني داخلي يستعيد الدولة ومؤسساتها ويعيد الاعتبار للمواطنة المتساوية. دون ذلك، فإن أي خطوة خارجية، تطبيعية كانت أو غيرها، ستبقى قفزات في الفراغ، لا أكثر.

- Advertisement -

- Advertisement -