لكل السوريين

انتهاء المهمة العسكرية للتحالف في العراق.. اختبار جديد لسيادة بغداد الأمنية

لا يعني انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق نهاية التعاون الأمني بين بغداد وواشنطن، بقدر ما يمهد لمرحلة جديدة تتصدر فيها قدرة المؤسسات العراقية على إدارة الملف الأمني بقدراتها الذاتية، مع استمرار الحاجة إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية والتدريب والتعاون في مواجهة التنظيمات المسلحة. وبين استعادة السيطرة على القواعد والمنشآت العسكرية ومتطلبات الحفاظ على الاستقرار، يبرز سؤال أساسي حول قدرة العراق على تحويل هذا التحول إلى خطوة نحو تعزيز سيادته، من دون ترك ثغرات قد تستغلها الجماعات المسلحة.

ويمثل انتقال المسؤوليات الأمنية من القوات التابعة للتحالف إلى المؤسسات العراقية تحولاً في طبيعة العلاقة بين الطرفين، إذ لم تعد المسألة مقتصرة على الوجود العسكري الأجنبي، بل باتت ترتبط بمدى جاهزية القوات العراقية وقدرتها على تنفيذ عمليات مكافحة الإرهاب، وتأمين الحدود، وملاحقة الخلايا النائمة، والتعامل مع التحديات الأمنية المتغيرة في المنطقة.

ويحمل هذا التحول أهمية خاصة في ظل التجربة العراقية خلال السنوات الماضية، بعدما استعانت بغداد بالتحالف الدولي الذي تشكل عام 2014 لمحاربة تنظيم «داعش»، عقب سيطرته على مساحات واسعة من الأراضي العراقية. ورغم استعادة السلطات العراقية السيطرة على المدن والمناطق التي خضعت للتنظيم، فإن انتهاء سيطرته الجغرافية لم ينهِ التهديد الذي تمثله خلاياه وقدرته على تنفيذ هجمات متفرقة.

نهاية الوجود العسكري للتحالف وبداية مرحلة مختلفة

في 30 أيلول 2026، أعلنت الولايات المتحدة وشركاؤها انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق، مع استكمال مغادرة القوات والمعدات من قاعدة أربيل، في خطوة جاءت تنفيذاً لخطة الانتقال المتفق عليها بين بغداد وواشنطن في أيلول 2024.

وبحسب القيادة المركزية الأميركية، انتقلت العلاقة من مهمة عسكرية للتحالف إلى ترتيبات أمنية ثنائية بين الولايات المتحدة والعراق، مع استمرار تقديم دعم محدد في مجالي التدريب وتبادل المعلومات الاستخباراتية. كما انتقل مقر قوة المهام المشتركة لعملية «العزم الصلب» إلى الأردن، لمواصلة العمليات المرتبطة بمكافحة تنظيم «داعش» في سوريا.

ويعني هذا التطور انتهاء المهمة العسكرية للتحالف داخل العراق، وليس بالضرورة قطع العلاقات الدفاعية مع الولايات المتحدة. فالتعاون الأمني بين البلدين مرشح للاستمرار ضمن صيغة مختلفة، تتراجع فيها الحاجة إلى الانتشار العسكري المباشر، مقابل التركيز على تبادل المعلومات والتدريب وبناء قدرات القوات العراقية.

وتسعى بغداد من خلال هذا التحول إلى تعزيز استقلالية قرارها الأمني، وإنهاء المبررات المرتبطة باستمرار الوجود العسكري للتحالف على أراضيها، مع الحفاظ على قنوات التعاون التي ترى أنها ضرورية لمواجهة التهديدات العابرة للحدود.

«داعش».. التحدي الذي لا ينتهي بانسحاب القوات

على الرغم من خسارة تنظيم «داعش» الأراضي التي سيطر عليها في العراق، فإن خطر عودته إلى النشاط المسلح لا يزال أحد أبرز التحديات أمام الأجهزة الأمنية العراقية. فالتنظيم الذي خسر معاقله الرئيسية لم يختفِ بصورة نهائية، ولا تزال مكافحة خلاياه ومنع إعادة تنظيم صفوفه تتطلب عمليات استخباراتية وأمنية متواصلة.

ويضع انتهاء مهمة التحالف القوات العراقية أمام مسؤولية أكبر في جمع المعلومات وتحليلها، وملاحقة المجموعات المسلحة، وتأمين المناطق النائية والحدود، فضلاً عن تعزيز التنسيق بين الجيش والشرطة والأجهزة الاستخباراتية وقوات البيشمركة في إقليم كردستان.

وتبرز أهمية التنسيق خصوصاً في المناطق التي تتطلب تعاوناً بين القوات الاتحادية وقوات الإقليم، إذ إن أي ضعف في تبادل المعلومات أو اختلاف في إدارة المسؤوليات الأمنية قد يمنح الخلايا المسلحة مساحة للتحرك.

وفي هذا السياق، أكدت واشنطن أن القوات العراقية، بما فيها قوات البيشمركة، ستتولى قيادة الجهود الرامية إلى منع عودة التنظيم، مع استمرار تقديم الدعم الاستخباراتي والتدريب ضمن العلاقة الثنائية الجديدة.

لكن نجاح هذه المرحلة لن يُقاس بمجرد انسحاب القوات الأجنبية، بل بقدرة المؤسسات العراقية على الحفاظ على مستوى الجاهزية الأمنية، والاستجابة السريعة لأي تهديد، ومنع التنظيمات المسلحة من استغلال التحولات في الانتشار العسكري.

السيادة العراقية وتحدي السلاح خارج مؤسسات الدولة

لا ينفصل التحول الأمني عن النقاش الداخلي العراقي بشأن حصر السلاح بيد الدولة، وضبط عمل الفصائل المسلحة، وتوحيد القرار العسكري تحت سلطة المؤسسات الرسمية.

فامتلاك الدولة قوات عسكرية وأجهزة أمنية لا يكفي وحده لضمان احتكارها استخدام القوة، ما لم تكن جميع التشكيلات المسلحة خاضعة لسلسلة قيادة واضحة، وللقوانين والقرارات الصادرة عن المؤسسات الرسمية.

ويزداد هذا الملف حساسية في ظل التنافس الإقليمي على النفوذ داخل العراق، والعلاقات المتشابكة بين القوى السياسية والفصائل المسلحة، فضلاً عن التوترات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية.

ومن هنا، فإن انتهاء المهمة العسكرية للتحالف يفتح نقاشاً أوسع حول مفهوم السيادة العراقية: هل تقتصر على إنهاء الوجود العسكري الأجنبي، أم تتطلب أيضاً تعزيز قدرة الحكومة على فرض القانون، وضبط السلاح، ومنع استخدام الأراضي العراقية في صراعات إقليمية؟

ولا يمكن التعامل مع هذه الملفات بمعزل عن بعضها، إذ إن استقرار العراق يرتبط بقدرة مؤسساته على إدارة الخلافات السياسية والأمنية، ومنع تحول التنافس الداخلي إلى مصدر تهديد دائم للأمن الوطني.

واشنطن وبغداد.. تعاون مستمر بأدوات مختلفة

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، لا يعني انتهاء المهمة العسكرية للتحالف التخلي عن مصالحها الأمنية في العراق والمنطقة. فاستمرار التعاون الاستخباراتي والتدريب يتيح لواشنطن الحفاظ على شراكتها مع بغداد من دون الإبقاء على نمط الانتشار العسكري الذي ارتبط بمرحلة الحرب على «داعش».

وفي المقابل، تحتاج الحكومة العراقية إلى الموازنة بين تعزيز استقلالية قرارها الأمني والاستفادة من الخبرات والإمكانات التي يمكن أن يوفرها التعاون الدولي، خصوصاً في مجالات مكافحة الإرهاب والتقنيات الاستخباراتية وتطوير قدرات القوات المسلحة.

وتشير الترتيبات الجديدة إلى أن العلاقة بين البلدين تتجه نحو صيغة تعتمد بدرجة أكبر على الاتفاقات الثنائية، بدلاً من المهمة العسكرية متعددة الأطراف التي انطلقت عام 2014. غير أن طبيعة هذا التعاون وحدوده ستظل مرتبطة بمصالح الطرفين والتطورات الأمنية في العراق وسوريا والمنطقة.

كما أن استمرار التهديدات الإقليمية قد يفرض على بغداد التعامل مع ملفات تتجاوز حدودها، من أمن الحدود إلى حركة المجموعات المسلحة وتداعيات النزاعات المجاورة، ما يجعل التنسيق الأمني الخارجي أحد الملفات التي ستحتاج إلى إدارة دقيقة خلال المرحلة المقبلة.

اختبار السيادة يبدأ بعد الانسحاب

يمنح انتهاء المهمة العسكرية للتحالف العراق فرصة لإعادة تنظيم علاقته الأمنية مع الولايات المتحدة، وتوسيع مسؤولية مؤسساته الوطنية عن حماية البلاد. لكنه يضع الحكومة في الوقت نفسه أمام اختبار عملي يتعلق بقدرتها على منع الفراغ الأمني، والحفاظ على التنسيق بين مؤسساتها، والتعامل مع التحديات الداخلية والإقليمية.

فالانسحاب العسكري لا يضمن الاستقرار تلقائياً، مثلما أن استمرار التعاون الخارجي لا ينتقص بالضرورة من السيادة إذا جرى ضمن اتفاقات واضحة تحترم القرار الوطني.

وتبقى النتيجة مرهونة بقدرة بغداد على تحويل انتقال المسؤوليات إلى إصلاح أمني مؤسسي، يضمن كفاءة القوات المسلحة، ويعزز سلطة القانون، ويمنع الجماعات المسلحة من فرض وقائع خارج إطار الدولة.

وفي المحصلة، لا يمثل انتهاء مهمة التحالف نهاية العلاقة الأمنية بين العراق والولايات المتحدة، بل بداية مرحلة تتغير فيها أدوات التعاون وتتسع فيها مسؤولية بغداد المباشرة. وسيكون التحدي الحقيقي في الأشهر المقبلة هو إثبات أن الدولة العراقية قادرة على حماية أمنها بقرار وطني مستقل، من دون أن تتحول نهاية الانتشار العسكري الأجنبي إلى ثغرة تستغلها التنظيمات المسلحة أو القوى المتنافسة على النفوذ داخل البلاد.

- Advertisement -

- Advertisement -