لكل السوريين

إنسيلادوس يقترب من دائرة البحث عن الحياة.. ميكروبات أرضية تصمد في ظروف تحاكي محيطه

أعادت دراسة علمية حديثة فتح باب التساؤلات بشأن احتمال وجود حياة خارج الأرض، بعدما أظهرت تجارب مخبرية أن كائنات دقيقة تعيش في أعماق البحار على كوكبنا تستطيع التكيف مع ظروف تحاكي البيئة الكيميائية للمحيط المائي المدفون تحت القشرة الجليدية لقمر إنسيلادوس، أحد أقمار زحل.

وتعزز هذه النتائج الاهتمام العلمي بإنسيلادوس، الذي يُعد من أبرز الأجرام السماوية المرشحة لاحتضان ظروف مناسبة للحياة الميكروبية، بفضل وجود محيط من المياه المالحة تحت سطحه المتجمد، إلى جانب نفاثات من بخار الماء وحبيبات الجليد تنطلق من شقوق قرب قطبه الجنوبي، حاملة معها مواد من باطن القمر إلى الفضاء.

وبحسب دراسة نشرتها مجلة «Science Advances» العلمية، ونُشرت تفاصيلها في أواخر أيلول الماضي، نجح باحثون في إعادة إنشاء ظروف كيميائية يُعتقد أنها تشبه بيئة قاع المحيط الداخلي لإنسيلادوس، واختبروا قدرة كائنات دقيقة على العيش فيها. وأظهرت النتائج أن بعض الميكروبات استطاعت النمو والتكيف رغم الظروف القلوية الشديدة وانخفاض تركيز ثاني أكسيد الكربون.

تجربة مخبرية تكشف قدرة الميكروبات على التكيف

قاد فريق البحث وليام أورسي، أستاذ الجيولوجيا الميكروبية في جامعة لودفيغ ماكسيميليان في ميونيخ الألمانية، بهدف اختبار مدى قدرة كائنات دقيقة أرضية على تحمل الظروف المتوقعة في المحيط الخفي لإنسيلادوس.

واستخدم الباحثون كائنات دقيقة من مجموعة تُعرف باسم «الميثانوجينات»، عُثر عليها بالقرب من الفتحات الحرارية المائية في قاع البحر قرب منطقة أوكيناوا اليابانية. وتعتمد هذه الكائنات على استهلاك الهيدروجين وثاني أكسيد الكربون لإنتاج غاز الميثان، في عملية حيوية تتيح لها الحصول على الطاقة.

وأعد الفريق نموذجاً مخبرياً للمحيط المفترض تحت سطح القمر، من خلال مزج الماء بالأملاح والكربونات وإضافة مواد صخرية لمحاكاة التفاعلات الكيميائية بين المياه وقاع المحيط.

وأظهرت التجارب أن الميكروبات استطاعت النمو في بيئة بلغت درجة قلوّيتها مستوى مرتفعاً وصل إلى الرقم الهيدروجيني 11، كما تمكنت من التكيف مع انخفاض مستويات ثاني أكسيد الكربون.

وتكتسب هذه النتيجة أهميتها من أنها تقدم دليلاً تجريبياً على إمكانية استمرار بعض أشكال الحياة الميكروبية في ظروف كان يُعتقد سابقاً أنها شديدة القسوة بالنسبة إليها. لكنها لا تعني اكتشاف كائنات حية على إنسيلادوس، بل تشير إلى أن بعض الظروف التي يُحتمل وجودها هناك لا تمنع بالضرورة بقاء كائنات شبيهة بتلك الموجودة على الأرض.

محيط مخفي ونفاثات تحمل أسرار القمر

يستمد إنسيلادوس أهميته العلمية من خصائصه الجيولوجية والكيميائية غير المعتادة. فعلى الرغم من صغر حجمه وبرودة سطحه الشديدة، تشير الأدلة التي جمعتها المركبة الفضائية «كاسيني» التابعة لوكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» إلى وجود محيط عالمي من المياه المالحة تحت قشرته الجليدية.

ورصدت المركبة نفاثات تقذف بخار الماء وحبيبات الجليد إلى الفضاء، ما أتاح للعلماء تحليل عينات من المواد المنبعثة من باطن القمر، بدلاً من الاضطرار إلى اختراق طبقاته الجليدية للوصول إلى المحيط.

وأظهرت تحليلات سابقة وجود مركبات عضوية وعناصر كيميائية مهمة، إلى جانب أدلة تدعم احتمال حدوث تفاعلات مائية حرارية في قاع المحيط، وهي بيئات يمكن أن توفر مصادر للطاقة اللازمة لبعض أشكال الحياة.

وتشير هذه المعطيات مجتمعة إلى توافر عدد من المكونات التي ترتبط بالحياة كما نعرفها على الأرض، غير أن وجود الماء والعناصر الكيميائية المناسبة لا يكفي وحده لإثبات وجود كائنات حية.

هل تكشف المهمات الفضائية المقبلة وجود حياة؟

لا تزال هناك أسئلة أساسية لم تجب عنها التجارب الجديدة، أبرزها قدرة الكائنات الدقيقة على الاستمرار في تلك الظروف لفترات طويلة، وما إذا كانت العمليات الكيميائية التي جرى رصدها في المختبر يمكن أن تدعم دورة حياة مستقرة داخل محيط إنسيلادوس.

كما أن الحياة، إن وُجدت هناك، قد تختلف جذرياً عن الكائنات الأرضية التي استخدمها الباحثون في تجاربهم، وهو ما يجعل البحث عن مؤشرات الحياة أكثر تعقيداً من مجرد اختبار قدرة الميكروبات المعروفة على التكيف.

وفي هذا السياق، تتزايد أهمية الخطط المستقبلية لاستكشاف القمر وتحليل المواد التي تقذفها نفاثاته. وتشمل المقترحات العلمية الأوروبية مهمة فضائية تجمع بين مركبة مدارية ومركبة هبوط، بهدف دراسة إنسيلادوس والبحث عن مؤشرات حيوية محتملة، مع توقعات أولية بإطلاقها نحو عام 2042 ووصولها خلال خمسينيات القرن الحالي، إذا جرى اعتماد الخطة وتنفيذها وفق الجدول المقترح.

وتفتح الدراسة الجديدة نافذة إضافية أمام علم الأحياء الفلكي، لكنها تضع البحث عن الحياة خارج الأرض أمام حقيقة علمية أساسية: إثبات أن الحياة ممكنة في بيئة ما يختلف عن إثبات أنها موجودة بالفعل.

وبينما يواصل العلماء دراسة المحيط المدفون تحت جليد إنسيلادوس، يبقى هذا القمر أحد أكثر المواقع إثارة للاهتمام في المجموعة الشمسية، ليس لأنه يؤوي حياة مؤكدة، بل لأن الأدلة المتراكمة تجعل احتمال وجود بيئة قادرة على دعمها سؤالاً علمياً يستحق مزيداً من الاستكشاف.

 

المصادر: مجلة Science Advances، ووكالة ناسا، وجامعة لودفيغ ماكسيميليان في ميونيخ.

- Advertisement -

- Advertisement -