لكل السوريين

عائلات المعتقلين السوريين في العراق تصعّد مطالبها: أين أبناؤنا ومن المسؤول عن نقلهم؟

شهدت العاصمة السورية دمشق، صباح اليوم، وقفة احتجاجية أمام مبنى السفارة العراقية، شاركت فيها عائلات معتقلين ومفقودين ومتعاطفون معهم، للمطالبة بالكشف عن مصير سوريين نُقلوا من مراكز احتجاز في شمال شرقي سوريا إلى العراق، وسط تساؤلات حول الأساس القانوني لنقلهم، والجهات المسؤولة عن احتجازهم، والضمانات المتاحة لحماية حقوقهم.

ورفع المشاركون شعارات تطالب بالكشف عن أماكن وجود أبنائهم، وتوضيح أسباب نقلهم خارج الأراضي السورية، مؤكدين ضرورة التعامل مع القضية باعتبارها ملفاً إنسانياً وقانونياً لا يجوز أن يبقى رهناً للتجاذبات السياسية والأمنية.

وتأتي الوقفة في وقت تتزايد فيه المطالبات بتوضيح مصير المعتقلين السوريين الذين تقول عائلاتهم إنهم نُقلوا من سجون ومراكز احتجاز كانت تديرها قوات سوريا الديمقراطية «قسد» في شمال شرقي البلاد، قبل انتقال السيطرة على تلك المنشآت إلى جهات أخرى، وانتهاء المطاف بعدد من المحتجزين داخل السجون العراقية، وفق روايات الأهالي.

ويطالب ذوو المعتقلين بالحصول على معلومات رسمية بشأن أسماء المنقولين وأماكن احتجازهم والتهم الموجهة إليهم، إلى جانب توضيح الإجراءات التي اتُّبعت في نقلهم، والجهات التي اتخذت القرار أو أشرفت على تنفيذه.

آلاف المحتجزين في العراق.. أرقام تكشف حجم القضية

تتجاوز القضية حدود الشكاوى الفردية، في ظل اتساع عمليات نقل المحتجزين من شمال شرقي سوريا إلى العراق خلال عام 2026، وما أثارته من تساؤلات حقوقية بشأن إجراءات النقل، والضمانات القضائية، وإمكانية وصول العائلات إلى معلومات موثوقة عن أبنائها.

وكشفت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في تقرير نشرته في 18 حزيران الماضي، أنها وثّقت نقل ما لا يقل عن 6547 محتجزاً إلى العراق، بينهم 4743 سورياً، إضافة إلى 1804 محتجزين أجانب ينتمون إلى نحو 61 جنسية. وأشارت إلى وجود أطفال ويافعين بين المنقولين، ما يثير مخاوف إضافية تتعلق بالضمانات القانونية وحماية الفئات الأكثر ضعفاً.

وكانت عمليات النقل قد جرت في سياق التحولات الأمنية التي شهدتها مناطق شمال شرقي سوريا مطلع العام الجاري، مع انتقال السيطرة على عدد من مراكز الاحتجاز، وسط مخاوف من فرار محتجزين يُشتبه بارتباطهم بتنظيم «داعش» واستغلال حالة عدم الاستقرار لإعادة تنظيم صفوفهم.

لكن الاعتبارات الأمنية لا تنهي الأسئلة المتعلقة بالحقوق الفردية للمحتجزين، ولا تعفي الجهات المعنية من ضرورة التحقق من هوياتهم، وتحديد الوضع القانوني لكل شخص، وضمان حقه في الدفاع عن نفسه والطعن في الإجراءات المتخذة بحقه.

وفي هذا السياق، حذرت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقرير نشرته في 17 شباط الماضي، من مخاطر تعرض المحتجزين المنقولين إلى العراق للاختفاء القسري والمحاكمات غير العادلة والتعذيب وسوء المعاملة، داعية إلى ضمان محاكمات عادلة وحماية حقوق المحتجزين.

خلاف حول المسؤولية والمصير القانوني

يتمثل أحد أبرز جوانب الأزمة في تعدد الجهات التي ارتبط اسمها بعمليات الاحتجاز والنقل، من قوات سوريا الديمقراطية التي كانت تدير مراكز الاحتجاز في المنطقة، إلى التحالف الدولي الذي أشرف على عمليات النقل، وصولاً إلى السلطات العراقية التي باتت تتولى احتجاز المنقولين والتعامل مع ملفاتهم القضائية.

وفي حين تبرر الجهات المعنية بالملف هذه الإجراءات باعتبارات مكافحة الإرهاب ومنع عودة تنظيم «داعش»، تتمسك عائلات المعتقلين بضرورة التمييز بين من تثبت مسؤوليته عن جرائم محددة، ومن لا تزال قضيته غير محسومة قضائياً، أو لم تتوفر لعائلته معلومات واضحة عن التهم الموجهة إليه.

وتزداد أهمية هذا التمييز في ظل تقارير حقوقية تحدثت عن نقل محتجزين من دون مراجعة قضائية فردية تسبق عملية النقل، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى كفاية الإجراءات المتبعة لضمان حقوقهم القانونية.

وفي المقابل، لا يمكن اعتبار جميع المحتجزين أبرياء أو مدانين بصورة جماعية، إذ يتطلب تحديد المسؤولية الجنائية فحص الأدلة والأفعال المنسوبة إلى كل شخص، وإخضاعها لمحاكمة تستوفي المعايير القانونية.

ومن هنا، فإن المطالبة بالكشف عن مصير المعتقلين لا تعني تعطيل ملاحقة الجرائم أو تجاهل المخاطر الأمنية، بل تضع أمام الجهات المسؤولة واجباً يتمثل في الفصل بين الاعتبارات الأمنية والحقوق الفردية، وضمان عدم تحول الاشتباه إلى إدانة مسبقة.

بغداد ودمشق أمام استحقاق قانوني وإنساني

لا تقتصر تداعيات الملف على عائلات المحتجزين، بل تمتد إلى العلاقات السورية العراقية، في ظل الحاجة إلى تنسيق رسمي يحدد آليات التعامل مع السوريين الموجودين في السجون العراقية، ومصير من لم تثبت إدانتهم، وإمكانية نقل المحكومين أو المحتجزين وفق اتفاقات قضائية واضحة.

وفي تطور يعكس تعقيدات القضية، نقلت وكالة «أسوشيتد برس» في 9 تشرين الأول الجاري أن العراق رفض طلباً سورياً بإعادة نحو أربعة آلاف محتجز سوري يُشتبه بارتباطهم بتنظيم «داعش»، مشيرة إلى أن بغداد تتمسك بمحاكمة من تتعلق بهم جرائم ارتُكبت على الأراضي العراقية وفق نظامها القضائي. كما أفادت بأن نحو 400 محتجز تبيّن أنهم غير مرتبطين بالتنظيم، وأن 50 منهم أُعيدوا بالفعل إلى سوريا.

ويضع هذا الموقف الملف أمام مسارين متداخلين: الأول يتعلق بحق العراق في التحقيق في الجرائم التي تدخل ضمن اختصاص قضائه، والثاني يرتبط بضرورة حماية حقوق المواطنين السوريين، وضمان عدم استمرار احتجازهم من دون إجراءات قانونية واضحة، مع بحث خيارات إعادتهم إلى بلادهم عندما تسمح القواعد القانونية بذلك.

وتبرز هنا أهمية تشكيل آلية سورية عراقية مشتركة تتولى مراجعة الملفات، وتدقيق الأسماء والتهم والأدلة، وتحديد أوضاع المحتجزين، بما يضمن عدم الخلط بين المشتبه بهم والمحكومين، ويتيح معالجة الحالات التي لا تتوافر بشأنها أدلة كافية.

كما يتطلب الأمر تمكين العائلات من الوصول إلى المعلومات المتعلقة بأبنائها، وتوفير قنوات تواصل رسمية تتيح معرفة أماكن الاحتجاز والوضع القضائي، بدلاً من ترك الأهالي أمام روايات متضاربة ومعلومات غير مكتملة.

تعكس الوقفة الاحتجاجية أمام السفارة العراقية حجم القلق الذي تعيشه عائلات المحتجزين، بعدما وجدت نفسها أمام قضية تتجاوز قدرتها على المتابعة الفردية، وترتبط بقرارات أمنية واتفاقات بين أطراف متعددة.

ويطالب الأهالي بتحرك رسمي يضمن الكشف عن مصير أبنائهم، وتوضيح الأساس القانوني لنقلهم إلى العراق، والعمل على إعادتهم إلى سوريا وفق إجراءات قانونية تضمن حقوقهم، إلى جانب تدخل المنظمات الحقوقية لمراقبة ظروف احتجازهم ومتابعة ملفاتهم القضائية.

وتضع هذه المطالب الحكومة السورية أمام مسؤولية متابعة أوضاع مواطنيها في الخارج، عبر القنوات الدبلوماسية والقضائية، فيما تقع على السلطات العراقية مسؤولية توضيح الوضع القانوني للمحتجزين الخاضعين لولايتها، وضمان حقوقهم في المحاكمة العادلة والاتصال بمحامين وأسرهم وفق القانون.

أما الجهات الدولية التي شاركت في عمليات النقل أو أشرفت عليها، فتواجه بدورها مطالب بتوضيح دورها والإجراءات التي اتبعتها، وتقديم المعلومات اللازمة بشأن الأشخاص الذين شملتهم العمليات، بما يساعد على معالجة أي انتهاكات محتملة.

وفي المحصلة، لا تكمن القضية في مكان احتجاز السوريين وحده، بل في معرفة أسباب احتجاز كل منهم، والأساس القانوني لنقله، والجهة المسؤولة عن ملفه، والضمانات المتاحة لحمايته. فمكافحة الإرهاب لا تتعارض مع احترام حقوق الإنسان، كما أن حماية الأمن لا تبرر ترك العائلات من دون إجابات. وبين مطالب الأهالي والتعقيدات القضائية والأمنية، يبقى الكشف عن المصير القانوني والإنساني للمحتجزين خطوة أساسية لإنهاء حالة الغموض، ومنع تحول هذا الملف إلى أزمة مفتوحة تتوارثها العائلات من دون حلول واضحة.

- Advertisement -

- Advertisement -