لكل السوريين

جفاف سد درعا الشرقي يهدد الزراعة.. أزمة المياه تتفاقم في الجنوب السوري

لم تعد أزمة المياه في الجنوب السوري تقتصر على تراجع منسوب الآبار والينابيع، بل امتدت إلى جفاف سدود كانت تشكل على مدى عقود مصدراً مهماً لتخزين مياه الأمطار ودعم النشاط الزراعي. ويأتي الجفاف الكامل لسد درعا الشرقي، الذي وثّقته صور ميدانية بين نيسان وتشرين الأول 2026، مؤشراً إضافياً على حجم الضغوط التي تواجه الموارد المائية في محافظة درعا، وسط مخاوف من انعكاساتها على المزارعين والأراضي الزراعية وسبل عيش السكان.

وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، أُنشئ السد عام 1970 بطاقة تخزينية تتجاوز 15 مليون متر مكعب، ويقع جنوب شرقي مدينة درعا ضمن الامتداد المائي لحوض اليرموك، ويتغذى من مياه السيول والتدفقات المطرية القادمة عبر وادي الزيدي. وقد أدى دوراً في تخزين المياه والاستفادة منها في ري الأراضي الزراعية، إلى جانب المساهمة في تغذية المياه الجوفية.

ويطرح وصول السد إلى مرحلة الجفاف الكامل تساؤلات بشأن قدرة المنظومة المائية في المنطقة على مواجهة مواسم الجفاف المتكررة، ولا سيما في ظل اعتماد قطاعات زراعية واسعة على الأمطار والمياه المخزنة لتأمين احتياجات الري خلال الفترات التي تتراجع فيها الهطولات.

أزمة تتجاوز سدّاً واحداً

لا يمكن فصل جفاف سد درعا الشرقي عن التراجع الأوسع الذي تشهده الموارد المائية في المحافظة. فقد أظهرت بيانات نقلتها قناة الجزيرة في تقرير نشرته في 6 أيلول 2026، استناداً إلى مسؤولين في قطاع المياه، أن إجمالي السعة التخزينية القصوى لسدود درعا يبلغ نحو 96 مليون متر مكعب، في حين لم يتجاوز التخزين خلال الموسم المشار إليه نحو 13 مليون متر مكعب، أي قرابة 13% من القدرة الإجمالية. كما أشارت البيانات إلى تسجيل انخفاض في منسوب المياه الجوفية بنحو خمسة أمتار خلال العام.

وتعكس هذه الأرقام اتساع الفجوة بين الموارد المتاحة والاحتياجات الفعلية، خصوصاً مع اعتماد المزارعين على المياه السطحية والجوفية لري المحاصيل والأشجار المثمرة، في وقت تتزايد فيه تكاليف استخراج المياه وضخها، وتتراجع قدرة كثير من المزارعين على تحمّل نفقات الإنتاج.

ولا تتوقف آثار الجفاف عند تقلّص المساحات القابلة للري، بل تمتد إلى احتمالات انخفاض الإنتاج الزراعي، وارتفاع تكاليف المحاصيل، وتراجع دخل الأسر التي تعتمد على الزراعة وتربية المواشي. كما أن استمرار استنزاف المياه الجوفية قد يفاقم الصعوبات التي تواجه السكان في تأمين مياه الشرب، ولا سيما في المناطق التي تعتمد على الآبار والينابيع المتراجعة.

تغير المناخ والاستنزاف البشري

تتداخل عوامل طبيعية وبشرية في تفسير أزمة المياه التي تضرب درعا. ووفق التصريحات التي نقلتها الجزيرة عن مدير الموارد المائية في المحافظة، ترتبط الأزمة بتوالي سنوات الجفاف ونقص الهطولات المطرية، إلى جانب النشاط البشري والضغط المتزايد على الموارد.

وأشار التقرير إلى وجود آلاف الآبار غير المرخصة، موضحاً أن آخر إحصاء رسمي أُجري عام 2022 سجّل نحو 3600 بئر مخالف، مع عدم توفر إحصاء دقيق ومحدّث للأعداد الحالية. وتؤدي عمليات الضخ غير المنظم، عندما تتجاوز معدلات تغذية الأحواض الجوفية، إلى تسريع استنزاف المخزون المائي الذي يحتاج إلى سنوات طويلة للتعافي.

وفي هذا السياق، لا تكفي زيادة الهطولات المطرية في موسم واحد بالضرورة لتعويض الخسائر المتراكمة، إذ يتوقف تجدد المخزون الجوفي على كمية الأمطار وتوزعها، وطبيعة التربة والصخور، ومدى تسرب المياه إلى باطن الأرض، وحجم السحب المستمر منها.

ويجعل ذلك حماية السدود والينابيع والآبار جزءاً أساسياً من أي خطة لمواجهة الجفاف، بدلاً من التعامل مع الأزمة بوصفها نتيجة موسمية لنقص الأمطار فقط.

سد المنطرة والتحركات الإسرائيلية في القنيطرة

يتزامن جفاف سد درعا الشرقي مع استمرار التحركات العسكرية الإسرائيلية في محيط سد المنطرة بريف القنيطرة، ما يضيف بُعداً آخر إلى ملف الموارد المائية في الجنوب السوري.

وكانت وكالة الأنباء السورية «سانا» قد أفادت في 22 تموز 2026 بتوغل قوة إسرائيلية مؤلفة من ثلاث آليات عسكرية في محيط سد المنطرة، قبل أن تنسحب من المنطقة بعد فترة وجيزة. كما وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان تحركات إسرائيلية أخرى في محيط السد خلال اليوم نفسه.

وتثير التحركات العسكرية في محيط المنشآت المائية تساؤلات بشأن أمن هذه المنشآت وإمكانية الوصول إليها وإدارتها وصيانتها، خصوصاً في منطقة تعاني أصلاً من شح المياه وتراجع المخزون.

لكن من الضروري التمييز بين التوغلات العسكرية الموثقة وبين الادعاء بوجود سيطرة إسرائيلية كاملة على السد أو تحكم مباشر بتوزيع مياهه؛ إذ لا تكفي المعلومات المنشورة المتاحة لإثبات هذه التفاصيل بصورة مستقلة.

وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية بالنظر إلى الترابط المائي بين أجزاء الجنوب السوري، حيث تتأثر الموارد الزراعية بمستويات الأمطار والجريان السطحي والمخزون في السدود، فضلاً عن طريقة إدارة المياه المتاحة وتوزيعها بين الاستخدامات المختلفة.

هل تكفي الأمطار لإنقاذ الموسم الزراعي؟

رغم أن الأمطار قد تعيد الحياة إلى بعض السدود التي جفّت خلال السنوات الماضية، فإن التعافي المائي لا يتحقق بمجرد هطول كميات كبيرة من المطر خلال فترة قصيرة.

فقد شهد ريف درعا الشرقي في كانون الثاني 2026 امتلاء سد المتاعية بعد سنوات من الجفاف، مع تقدير كمية المياه المخزنة فيه بأكثر من مليون متر مكعب، وفق ما نقلته «سانا» عن مسؤولين محليين. ويُظهر ذلك أن الهطولات المطرية يمكن أن تعيد تنشيط بعض المنشآت المائية، شريطة توافر الظروف المناسبة لتجميع المياه وتغذية السدود.

غير أن تجربة سد المتاعية لا تعني بالضرورة أن سد درعا الشرقي سيستعيد مخزونه بالمعدل نفسه، لأن ذلك يعتمد على كميات الأمطار والجريان الواصل إليه، وكفاءة القنوات المغذية، وحجم المياه التي يمكن الاحتفاظ بها.

وتبرز هنا أهمية صيانة مجاري السيول وإزالة الترسبات التي تعيق وصول المياه، إلى جانب تطوير وسائل حصاد مياه الأمطار والحد من الفاقد، ومراقبة مستويات المياه بصورة دورية، بما يسمح باتخاذ قرارات مبكرة قبل وصول السدود إلى مرحلة الجفاف الكامل.

إدارة الموارد المائية أمام اختبار حقيقي

يضع جفاف سد درعا الشرقي الجهات المعنية أمام تحديات تتجاوز إعادة ملء الخزان خلال الموسم المطري المقبل، لتشمل ضرورة وضع خطة طويلة الأمد لإدارة المياه في حوض اليرموك والمناطق المحيطة به.

وتشمل الأولويات المطلوبة ضبط حفر الآبار المخالفة والحد من الضخ الجائر، وإصلاح شبكات المياه المتضررة، وتحسين كفاءة الري، وتشجيع المحاصيل الأقل استهلاكاً للمياه في المناطق الأكثر تضرراً، إلى جانب إعداد بيانات محدثة عن مخزون السدود والآبار والينابيع وحجم الاحتياجات الزراعية والسكانية.

كما تبرز الحاجة إلى ضمان وصول المياه إلى المزارعين وفق آليات واضحة وعادلة، ومنع تحول شح الموارد إلى عامل إضافي يهدد استقرار الأسر التي تعتمد على الزراعة مصدراً رئيسياً للدخل.

وفي ظل استمرار الضغوط المناخية والبشرية، لا تبدو استعادة المخزون المائي مسألة مرتبطة بموسم مطري واحد، بل تحدياً يتطلب إدارة متكاملة تجمع بين صيانة البنية التحتية، وحماية المياه الجوفية، وتنظيم الاستخدام، والاستعداد لمواسم الجفاف.

فجفاف سد درعا الشرقي لا يمثل خسارة كمية من المياه المخزنة فحسب، بل يكشف هشاشة منظومة مائية تعتمد عليها الزراعة وسبل العيش في جزء مهم من الجنوب السوري. وبين تراجع الأمطار واستنزاف المياه الجوفية والتحركات العسكرية في محيط بعض المنشآت المائية، يبقى السؤال الأساسي هو مدى قدرة الجهات المعنية على حماية ما تبقى من الموارد، ووضع سياسات تضمن استدامتها وتلبي احتياجات السكان والمزارعين.

- Advertisement -

- Advertisement -