لكل السوريين

بين الاعتداءات وضغوط الصمت.. كيف تواجه الطبيبات والممرضات في سوريا العنف داخل بيئة العمل؟

لم تعد المخاطر التي تواجه النساء العاملات في القطاع الصحي في سوريا تقتصر على ضغط ساعات العمل ونقص الإمكانات الطبية، بل بات العنف اللفظي والجسدي، والتهديد، والضغوط للتنازل عن الحقوق، تحدياً متزايداً يفرض نفسه داخل عدد من المشافي والمراكز الصحية، في وقت تطالب فيه الكوادر الطبية بتوفير بيئة عمل آمنة تضمن لهن ممارسة المهنة بعيداً عن الترهيب.

وأعاد حادث الاعتداء على طبيبة مقيمة في مشفى الرقة الوطني فتح النقاش حول واقع الطبيبات والممرضات في المؤسسات الصحية، ومدى الحماية القانونية والإدارية التي يحصلن عليها عند تعرضهن للاعتداء أثناء أداء واجبهن المهني.

حادثة الرقة.. من الاعتداء إلى ضغوط التنازل

بحسب المعلومات المتداولة، تعرضت الطبيبة المقيمة “ص. ح” لاعتداء جسدي داخل مشفى الرقة الوطني من قبل شخص قيل إنه يعمل في المجال الإعلامي، بعد مشادة كلامية تخللتها اتهامات لها بالارتباط بالنظام السابق، قبل أن يتطور الموقف إلى اعتداء جسدي شمل لي ذراعها ومحاولة إسقاطها أرضاً.

وأفادت مصادر محلية بأن قوات الأمن حضرت إلى المشفى وأوقفت المشتبه به للتحقيق، إلا أن تقارير لاحقة تحدثت عن تعرض الطبيبة لضغوط من أجل سحب الشكوى، وسط مزاعم عن تهديدها بالفصل من عملها، وهي معلومات أثارت استياءً بين كوادر طبية طالبت بإجراء تحقيق مستقل يكشف ملابسات الحادثة ويضمن عدم ممارسة أي ضغوط على الضحية.

ولم يتسنَّ لصحيفة السوري التحقق بشكل مستقل من صحة مزاعم الضغوط أو التهديدات، فيما لم تصدر حتى الآن نتائج رسمية للتحقيق.

ظاهرة تتجاوز حادثة واحدة

يرى عاملون في القطاع الصحي أن الاعتداءات على الكوادر الطبية لم تعد حوادث فردية، بل أصبحت تتكرر في عدد من المحافظات السورية، سواء داخل أقسام الإسعاف أو العيادات أو المراكز الصحية، وغالباً ما تكون نتيجة التوتر الذي يرافق الحالات الإسعافية، أو الاعتراض على الخدمات الطبية، أو الخلافات الشخصية.

وتقول ممرضات وطبيبات إن المرأة العاملة في القطاع الصحي تواجه تحديات مضاعفة، فهي لا تتعرض فقط للإهانات اللفظية، وإنما قد تواجه أيضاً تهديدات أو اعتداءات جسدية أو محاولات للتشهير بها، في ظل غياب إجراءات رادعة في بعض الحالات.

أرقام ودلالات عالمية

لا تقتصر هذه الظاهرة على سوريا. فبحسب منظمة الصحة العالمية والمجلس الدولي للممرضات، يتعرض العاملون في القطاع الصحي لمعدلات مرتفعة من العنف مقارنة بقطاعات العمل الأخرى، وتشكل النساء النسبة الأكبر من القوى العاملة الصحية عالمياً، ما يجعلهن الأكثر عرضة لهذه الانتهاكات.

وتشير تقديرات دولية إلى أن ما بين 8 و38 بالمئة من العاملين الصحيين يتعرضون لشكل من أشكال العنف الجسدي خلال حياتهم المهنية، بينما يتعرض عدد أكبر بكثير للعنف اللفظي والتهديدات والتحرش، مع وجود حالات كثيرة لا يتم الإبلاغ عنها خوفاً من العواقب المهنية أو لغياب الثقة بإجراءات المساءلة.

آثار تتجاوز الإصابة الجسدية

يؤكد مختصون أن الاعتداء على الطبيبات والممرضات لا يقتصر أثره على الإصابة الجسدية، بل يمتد إلى الصحة النفسية للعاملات، إذ قد يسبب القلق المزمن، وفقدان الشعور بالأمان، والاحتراق الوظيفي، ويدفع بعضهن إلى ترك العمل أو طلب النقل إلى أقسام أقل احتكاكاً بالمراجعين.

كما ينعكس ذلك على جودة الخدمات الصحية، لأن بيئة العمل غير الآمنة تؤثر في أداء الكوادر الطبية وقدرتها على اتخاذ القرارات في الحالات الحرجة.

لماذا تتكرر الاعتداءات؟

يرجع مختصون تزايد هذه الحوادث إلى عدة عوامل، من أبرزها:

الاكتظاظ داخل المشافي ونقص الكوادر الطبية.

ضعف الوعي بدور العاملين الصحيين وحدود مسؤولياتهم.

غياب إجراءات أمنية فعالة في بعض المؤسسات الصحية.

تأخر محاسبة المعتدين أو ممارسة ضغوط للتنازل عن الشكاوى.

الضغوط النفسية والاقتصادية التي يعيشها المرضى وذووهم، والتي قد تتحول إلى سلوك عدواني.

مطالب بحماية قانونية وإدارية

تطالب كوادر صحية وحقوقيون بوضع آليات واضحة للتعامل مع الاعتداءات داخل المؤسسات الصحية، تبدأ بتوفير الحماية الأمنية، وتوثيق أي حادثة اعتداء، وضمان حق الضحايا في تقديم الشكاوى دون خوف من الانتقام أو الضغوط الوظيفية.

كما يدعون إلى فرض عقوبات رادعة بحق المعتدين، وتدريب العاملين في القطاع الصحي على إدارة المواقف العدائية، إضافة إلى إطلاق حملات توعية تؤكد أن الاعتداء على الأطباء والممرضين يمثل اعتداءً على حق المجتمع في الحصول على الرعاية الصحية.

قضية تمس المرأة والقطاع الصحي

تكشف حادثة الرقة، بصرف النظر عن نتائج التحقيقات الرسمية، عن تحدٍ أوسع يتعلق بسلامة النساء العاملات في القطاع الصحي. فحماية الطبيبات والممرضات لا تقتصر على صون حقوقهن الشخصية، بل ترتبط أيضاً بحماية المرفق الصحي نفسه وضمان استمرار تقديم الخدمات الطبية في بيئة آمنة تحترم القانون وكرامة العاملين فيه.

وفي ظل تزايد المطالبات بمحاسبة المعتدين، يبقى ترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب، وضمان استقلالية التحقيقات، من أبرز الخطوات المطلوبة لتعزيز ثقة الكوادر الطبية وتشجيع النساء على مواصلة أداء رسالتهن الإنسانية دون خوف أو ضغوط.

- Advertisement -

- Advertisement -