تتصاعد شكاوى المزارعين في محافظات الحسكة والرقة ودير الزور من ممارسات فساد داخل بعض الجهات المرتبطة بعملية استلام محصول القمح، في وقت كان يُنظر إلى الموسم الزراعي الحالي كفرصة لتعويض الخسائر الاقتصادية ودعم الأمن الغذائي في المنطقة.
ويقول مزارعون إن معاناتهم تبدأ منذ وصول الشاحنات المحملة بالقمح إلى الصوامع ومراكز الاستلام، حيث تتسبب الطوابير الطويلة والازدحام الكبير في خلق ظروف وصفوها بأنها ساهمت في انتشار ممارسات غير قانونية، أبرزها بيع الأدوار واستغلال حاجة المزارعين لتسريع إجراءات التفريغ.
وبحسب شهادات من مناطق في الرقة وريف دير الزور الشرقي والحسكة، فإن بعض العاملين في قطاعات النقل والصوامع يستغلون التأخير في عمليات الاستلام لفرض مبالغ مالية مقابل تجاوز الدور، ما يسمح لبعض الشاحنات بالدخول قبل المركبات المنتظرة منذ ساعات أو أيام.
كما تحدث مزارعون عن أن تأخر إنجاز المعاملات لا يرتبط فقط بالضغط الناتج عن كثافة المحصول، بل يتحول في بعض الحالات إلى ما وصفوه بـ”التأخير المتعمد”، الأمر الذي يدفعهم إلى دفع مبالغ مالية لتجنب خسائر إضافية.
وتزداد الأعباء على المزارعين مع ارتفاع تكاليف الانتظار، إذ تشير شهادات إلى أن توقف شاحنة من نوع “قاطرة ومقطورة” قد يكلف نحو 200 دولار يومياً، ما يضع أصحاب المحاصيل أمام خسائر متراكمة بين أجور النقل وتأخير التسليم.
وفي سياق متصل، أفادت معلومات بإحالة عدد من الموظفين العاملين في صوامع الرقة والحسكة إلى التحقيق على خلفية شبهات تتعلق بملفات فساد إداري مرتبطة بآليات استلام محصول القمح، وسط مطالبات بالكشف عن نتائج التحقيقات ومحاسبة المتورطين.
ولا تقتصر الشكاوى على إجراءات الاستلام فقط، إذ يتحدث مزارعون عن تجاوزات مرتبطة بعملية تقييم وتصنيف جودة القمح. ووفقاً لشهاداتهم، فإن بعض المكلفين بفحص المحاصيل يطلبون مبالغ مالية مقابل رفع تصنيف القمح إلى درجات أعلى، حتى في حالات لا تتوافق فيها المواصفات الفنية مع تلك الدرجات.
وفي المقابل، أشار بعض المزارعين إلى وجود حالات يتم فيها منح تصنيفات مرتفعة لشحنات لا تستحقها مقابل المال، ما يفتح المجال أمام خلط درجات مختلفة من القمح وتمرير كميات أقل جودة ضمن التصنيفات الأعلى.
ويرى مزارعون أن هذه الممارسات لا تضر بهم فقط، بل تهدد سلسلة إنتاج الغذاء بأكملها، إذ إن التلاعب بجودة القمح المصنف قد ينعكس لاحقاً على عمليات الطحن والإنتاج وجودة الخبز الذي يصل إلى المواطنين.
ويحذر ناشطون وحقوقيون من خطورة استمرار الفساد في ملف القمح، باعتباره من الملفات المرتبطة مباشرة بالأمن الغذائي وحقوق المزارعين، مطالبين بتعزيز الرقابة على مراكز الاستلام والتخزين، وضمان آليات شفافة تمنع الابتزاز والتلاعب وتحفظ حقوق المنتجين.
كما تُطرح مطالب بفتح تحقيقات مستقلة وشاملة في الشكاوى المقدمة، وإعلان نتائج الإجراءات المتخذة بحق أي موظفين تثبت مسؤوليتهم، إضافة إلى وضع نظام رقابي أكثر فاعلية يضمن العدالة في استلام وتسويق المحاصيل ويحمي المزارعين من الاستغلال.