السوري ـ حماة
تسود أجواء من التوجس والقلق في ريف محافظة حماة المتنوع طائفياً، مع تصاعد ملحوظ لخطاب الكراهية والاستقطاب الطائفي في الفترة الأخيرة، هذه المشاعر السلبية التي تتربص تحت سطح الحياة اليومية الهادئة ظاهرياً، تهدد بتمزيق النسيج الاجتماعي الذي ظل لسنوات طويلة مثالاً للتعايش بين مكونات المجتمع المختلفة في المنطقة.
تمتد جذور هذه المخاوف إلى تحولات عميقة شهدها الريف الحموي خلال سنوات الأزمة، حيث أدت التغيرات الديموغرافية والصراعات المسلحة إلى إعادة تشكيل الخريطة الاجتماعية للمنطقة، يقول أبو محمد، مدرس متقاعد من قرية في ريف حماة الشمالي: “كنا نعيش كجيران منذ عشرات السنين دون أن نسأل بعضنا عن الانتماء، لكن اليوم أصبحت الهويات الفرعية تطغى على كل شيء”، هذه الكلمات تعكس التحول الدراماتيكي الذي طرأ على علاقات الجيرة والجوار التي كانت تقوم على أسس جغرافية واقتصادية أكثر منها هوياتية.
على الأرض، تظهر مظاهر هذا التوتر الخفي في العديد من التفاصيل اليومية. ففي بعض القرى المختلطة، أصبحت المناسبات الاجتماعية تقام بشكل منفصل، وقلّت حالات الزواج المختلط التي كانت تشكل جسراً للتواصل بين المكونات. حتى العلاقات التجارية التي كانت مزدهرة بين القرى المختلفة، باتت تعاني من نوع من التردد والحذر المتبادل. تاجر من سوق السلمية يشرح: “أشعر أحياناً أن بعض الزبائن الجدد ينظرون إليّ ليس كبائع، بل كمنتمٍ إلى طائفة معينة أولاً”.
من ناحية أخرى، يلاحظ انتشار خطاب طائفي خفي على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر صفحات وهمية تروج للكراهية تحت غطاء الأخبار والتعليقات السياسية، هذه الصفحات التي يعتقد أنها مدعومة من جهات خارجية، تعمل على تأجيج المشاعر السلبية واستدعاء ذاكرة الصراعات القديمة، الباحث الاجتماعي الدكتور خالد العمر يوضح: “هناك استهداف ممنهج للذاكرة الجمعية في المنطقة، عبر إثارة النعرات وإحياء الروايات التاريخية المتنازع عليها”.
في المقابل، يحاول العديد من أهالي الريف الحموي مقاومة هذه الموجة من الانقسام. تقوم مبادرات محلية بقيادة شيوخ عشائر وشباب متطوعين لتنظيم لقاءات مصالحة وندوات توعوية. أما على المستوى الأمني، تشير مصادر محلية إلى أن الأجهزة الأمنية تتابع الوضع عن كثب، خشية من أن تتحول هذه التوترات الخفية إلى مواجهات فعلية.
فقد شهدت بعض القرى حوادث فردية تم احتواؤها بسرعة، لكنها تركت وراءها مشاعر مريرة، أحد ضباط الشرطة المحلية يشرح بتحفظ: “نعمل على معالجة كل حالة على حدة، لكننا ندرك أن المشكلة أعمق من أن تحل بإجراءات أمنية فقط”.
الخطر الأكبر يكمن في تحول هذه المشاعر السلبية إلى واقع دائم، حيث يبدأ الأطفال بالنشوء في بيئة مشبعة بالشكوك والصور النمطية عن الآخر. معلمة في إحدى المدارس الريفية تقول: “ألاحظ أحياناً أن التلاميذ يبتعدون عن بعضهم في الفسحة حسب انتماءات قراهم، هذه علامة خطيرة على تشكل هويات منغلقة في سن مبكرة”.
في الخلفية، تلوح عوامل اقتصادية تزيد من تعقيد المشهد. فالفقر والبطالة والخدمات المتردية تشكل تربة خصبة لانتشار الخطابات المتطرفة، كما أن بعض القوى السياسية المحلية تتلاعب بورقة الطائفية لتحقيق مكاسب انتخابية أو نفوذ محلي، وفقاً لمراقبين.
رغم كل هذه التحديات، يبقى الأمل موجوداً في قدرة المجتمع المحلي على تجاوز هذا المحنة. فالذاكرة الجماعية للتعايش المشترك لاتزال حية لدى الكثيرين، خاصة كبار السن الذين عاشوا عقوداً من العيش المشترك.