لكل السوريين

التحرش بالطالبات في دمشق الجامعية… خوف يومي يهدد حقهن في التعليم

السوري _ دمشق

لم تكن المدينة الجامعية في دمشق يوماً مجرد مكان للإقامة، بل شكّلت على مدى عقود فضاءً حيوياً للعلم والتفاعل الثقافي وبناء العلاقات بين طلاب قدموا من مختلف المحافظات. غير أن هذا الفضاء، الذي يفترض أن يكون آمناً وحاضناً، بات يواجه تحدياً مقلقاً يتمثل في تنامي ظاهرة التحرش بأشكاله المختلفة، الأمر الذي ينعكس سلباً على البيئة التعليمية والحياة اليومية للطلاب والطالبات.

في السنوات الأخيرة، بدأت تتردد شكاوى متزايدة حول حوادث مضايقات داخل محيط السكن الجامعي، تتراوح بين تعليقات لفظية غير لائقة وسلوكيات تتجاوز حدود الاحترام، وصولاً إلى ممارسات أكثر إزعاجاً تمس الخصوصية الشخصية. كما برزت أنماط جديدة من التحرش عبر الفضاء الإلكتروني، حيث تُستخدم وسائل التواصل كأداة للمضايقة أو التهديد، ما يوسع نطاق المشكلة ويجعلها أكثر تعقيداً.

خطورة هذه الظاهرة لا تكمن فقط في الفعل ذاته، بل في آثارها العميقة على الضحايا. فالطالب أو الطالبة الذي يشعر بعدم الأمان داخل مكان إقامته أو دراسته، يفقد جزءاً أساسياً من قدرته على التركيز والاستقرار النفسي. وتتراوح التداعيات بين القلق والتوتر، وصولاً إلى العزلة أو الانسحاب من الأنشطة الجامعية، وفي بعض الحالات قد تؤثر بشكل مباشر على التحصيل العلمي أو الاستمرار في الدراسة.

تتعدد العوامل التي تسهم في تفاقم هذه الظاهرة، من بينها ضعف الإجراءات الرادعة في بعض المواقع، وغياب آليات واضحة وسهلة للإبلاغ، فضلاً عن ثقافة مجتمعية قد تميل أحياناً إلى التقليل من خطورة هذه الأفعال أو التعامل معها على أنها سلوك عابر. هذا المناخ يخلق بيئة صامتة، يتردد فيها الضحايا في التبليغ خوفاً من الوصم أو عدم الجدية في التعامل مع شكواهم.

في المقابل، تبرز الحاجة الملحة إلى مقاربة شاملة تتعامل مع الظاهرة من جذورها، لا من مظاهرها فقط. ويأتي في مقدمة ذلك تعزيز إجراءات الحماية داخل المدينة الجامعية، من خلال رفع مستوى الإشراف وتنظيم وجود عناصر أمنية مدربة، إلى جانب تحسين البنية التحتية في الأماكن العامة لضمان مزيد من الأمان.

كما أن إنشاء قنوات واضحة وآمنة لتلقي الشكاوى يمثل خطوة أساسية في بناء الثقة، بحيث تضمن السرية والجدية في المتابعة، وتؤكد للطلاب أن حقوقهم مصانة. ولا يقل أهمية عن ذلك إطلاق حملات توعوية مستمرة، تسلط الضوء على خطورة التحرش وآثاره، وتكرّس ثقافة الاحترام والمسؤولية المشتركة داخل المجتمع الجامعي.

دور الكادر التعليمي والإداري بدوره محوري، ليس فقط في ضبط السلوكيات، بل في خلق بيئة داعمة تشجع على الحوار والانفتاح، وتمنح الطلاب الشعور بأنهم جزء من منظومة تحميهم وتستمع إليهم. كما يمكن للأنشطة الطلابية والمبادرات الشبابية أن تلعب دوراً فاعلاً في نشر الوعي ومناهضة هذه السلوكيات.

إن مواجهة التحرش في المدينة الجامعية بدمشق ليست مهمة جهة واحدة، بل هي مسؤولية جماعية تتطلب تعاون الإدارة والطلاب والمجتمع على حد سواء. فالحرم الجامعي يجب أن يبقى مساحة آمنة للعلم والتطور، لا بيئة يطغى عليها الخوف أو القلق.

وفي ظل التحديات التي تواجه قطاع التعليم، يبقى الاستثمار في بيئة جامعية سليمة وآمنة خطوة أساسية نحو بناء جيل قادر على التعلم والإبداع والمساهمة في إعادة بناء المجتمع. فالأمان ليس ترفاً، بل شرطاً أساسياً لأي نهضة تعليمية حقيقية.

- Advertisement -

- Advertisement -