لكل السوريين

الفرص التنموية المهدورة في درعا… حكايات عن إمكانات لم تُستثمر

درعا/ رجاء مختار

تُعد درعا واحدة من أكثر المناطق السورية غنى بالإمكانات البشرية والطبيعية، إلا أن هذه الإمكانات بقيت لسنوات طويلة حبيسة الواقع الصعب، تتحول من فرص تنموية حقيقية إلى أحلام مؤجلة. ففي المحافظة التي تمتد أراضيها الزراعية على مساحات واسعة، ويتميّز سكانها بروح العمل والمبادرة، تبدو المفارقة واضحة بين ما يمكن أن تكون عليه درعا، وما آلت إليه فعلياً.

في قرية صغيرة شمالي درعا، كان سامر يحلم بتحويل أرض والده إلى مشروع زراعي حديث. درس سامر الهندسة الزراعية، وعاد إلى قريته محملاً بأفكار عن الري بالتنقيط والزراعة العضوية وتسويق المنتجات محلياً. لكنه اصطدم سريعاً بواقع قاسٍ: غياب الدعم، وارتفاع تكاليف المعدات، وانعدام القروض الميسّرة.

ويقول سامر: “كل ما تعلمته بقي في الدفاتر. الأرض موجودة، والخبرة موجودة، لكن لا أحد يمدّ يد العون”. هكذا تحوّل مشروع كان يمكن أن يوفر فرص عمل لعشرات الشباب إلى أرض تُزرع بالحد الأدنى فقط لتأمين قوت العائلة.

القطاع الزراعي، الذي لطالما شكّل العمود الفقري لاقتصاد درعا، يمثل مثالاً صارخاً على الفرص المهدورة. فالمحافظة قادرة على إنتاج كميات كبيرة من الحبوب والخضار والفواكه، إضافة إلى تربية المواشي، لكن ضعف البنية التحتية، وغياب مراكز التخزين والتوضيب، وعدم وجود صناعات تحويلية، جعلت القيمة المضافة لهذه المنتجات شبه معدومة. كثير من المزارعين يضطرون لبيع محاصيلهم بأسعار زهيدة، أو يتركون جزءاً منها يتلف لعدم وجود أسواق أو وسائل نقل مناسبة.

ولا تقتصر الفرص المهدورة على الزراعة فقط، بل تمتد إلى القطاع الصناعي والحرفي. في أحد أحياء درعا البلد، كان أبو خالد يمتلك ورشة صغيرة لتصنيع الأدوات الزراعية. ورشته كانت تؤمن احتياجات القرى المجاورة، وتوفر عملاً لخمسة شبان. مع الوقت، توقفت الورشة بسبب صعوبة تأمين المواد الأولية وارتفاع تكاليف التشغيل، إضافة إلى غياب أي دعم أو حماية للصناعات المحلية. يقول أبو خالد بحسرة: “كنا نستطيع تطوير الورشة وتحويلها إلى معمل صغير، لكننا بقينا وحدنا في مواجهة كل الصعوبات”.

الشباب في درعا يمثلون طاقة كبيرة غير مستثمرة. آلاف الخريجين من الجامعات والمعاهد يعيشون بلا فرص عمل حقيقية، ما يدفع كثيرين منهم إلى الهجرة أو العمل في مهن لا تتناسب مع مؤهلاتهم. ريم، خريجة كلية الاقتصاد، تعمل حالياً في عمل مؤقت لا علاقة له بتخصصها. تقول: “درست خمس سنوات، لكن لا يوجد سوق عمل يستوعبنا. كان يمكن إنشاء مشاريع صغيرة أو مراكز تدريب، لكن كل شيء متوقف”. هذا الهدر في الطاقات البشرية يترك أثراً عميقاً على المجتمع، ويغذي مشاعر الإحباط وفقدان الأمل.

حتى السياحة، التي يمكن أن تكون رافداً مهماً للتنمية في درعا، بقيت فرصة منسية. فالمحافظة تضم مواقع أثرية وتاريخية مميزة، وطبيعة ريفية قادرة على جذب الزوار، لكن غياب الاستثمارات والخدمات الأساسية حرم المنطقة من هذا المورد. يروي نادر، وهو دليل سياحي سابق، كيف كان يستقبل مجموعات صغيرة من الزوار قبل سنوات، ثم توقفت هذه الأنشطة تماماً. يقول: “كنا نستطيع خلق حركة سياحية بسيطة توفر دخلاً لكثير من العائلات، لكن لم يتم استثمار أي شيء”.

الفرص التنموية المهدورة في درعا لا تعود فقط إلى نقص الموارد، بل إلى غياب التخطيط والرؤية طويلة الأمد. فالكثير من المبادرات الفردية تموت في مهدها لعدم وجود بيئة حاضنة، سواء عبر قوانين تشجع الاستثمار الصغير، أو مؤسسات تدعم رواد الأعمال، أو حتى برامج تدريب وتأهيل. في هذا الفراغ، تتحول الأفكار إلى قصص تُروى، لا مشاريع تُنفذ.

ورغم هذا المشهد القاتم، لا تزال درعا تحتفظ بمقومات النهوض. فالأرض موجودة، والإنسان موجود، والرغبة في العمل لم تنطفئ. ما ينقص هو تحويل هذه المقومات إلى خطط عملية، تعيد الاعتبار للتنمية المحلية، وتمنح الناس فرصة حقيقية لبناء مستقبلهم. فلو أُتيحت لسامر فرصة تمويل صغيرة، ولأبي خالد حماية لصناعته، ولريم برنامج تدريب وتشغيل، لكانت الصورة مختلفة تماماً.

إن الحديث عن الفرص التنموية المهدورة في درعا ليس ترفاً، بل ضرورة لفهم حجم الخسارة التي يتكبدها المجتمع يومياً. فكل مشروع لم يُنفذ، وكل شاب هاجر، وكل أرض لم تُستثمر، هي فرصة ضاعت كان يمكن أن تسهم في تحسين حياة آلاف الأسر. وبين الواقع الصعب والإمكانات الكبيرة، تبقى درعا مثالاً مؤلماً على كيف يمكن للإهمال وغياب الرؤية أن يحولا منطقة غنية بالفرص إلى ساحة للانتظار الطويل.

- Advertisement -

- Advertisement -