لكل السوريين

تفجير مسجد “الإمام علي” بحمص وتداعياته على السلم الأهلي في سوريا

حمص

أعاد التفجير الذي استهدف مسجد “الإمام علي بن أبي طالب” في حي وادي الذهب بمدينة حمص، أثناء صلاة الجمعة، فتح واحد من أخطر الملفات السورية المرتبطة بالأمن المجتمعي والسلم الأهلي، في مرحلة توصف بأنها شديدة الحساسية سياسياً واجتماعياً.

فالجريمة التي أودت بحياة ثمانية أشخاص وأصابت ثمانية عشر آخرين، وفق الحصيلة الأولية لوزارة الصحة في الحكومة السورية الانتقالية، لم تكن مجرد حادث أمني عابر، بل حملت أبعاداً أعمق تتجاوز المكان والزمان، لتلامس بنية التعايش الهش الذي تعيشه البلاد بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام.

وقع الانفجار داخل مسجد الإمام علي بن أبي طالب في حي وادي الذهب، أثناء أداء صلاة الجمعة، وهو ما أكده مراسل صحيفة السوري، في حين أشارت التحقيقات الأولية التي نقلتها وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” عن مصدر أمني، إلى أن التفجير ناتج عن عبوات ناسفة مزروعة داخل المسجد.

ويكشف هذا المعطى وحده أن العملية كانت مخططة بعناية، وأن الهدف لم يكن إحداث ضرر مادي فحسب، بل إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا في توقيت ديني حساس، ما يمنح التفجير طابعاً رمزياً شديد الخطورة.

تاريخياً، تحتل حمص موقعاً خاصاً في الذاكرة السورية، فهي واحدة من أكثر المدن التي شهدت استقطاباً طائفياً حاداً خلال سنوات الحرب، ودفعت ثمناً اجتماعياً وبشرياً باهظاً.

حي وادي الذهب تحديدا يُعد من المناطق التي تحمل حساسية أمنية واجتماعية، وأي حادث يقع فيه يُقرأ غالباً خارج إطاره المحلي، بوصفه مؤشراً على اتجاهات أوسع تتعلق بالأمن والاستقرار، ومن هنا فإن استهداف مسجد في هذا الحي لا يمكن فصله عن محاولات إعادة إنتاج مناخات الخوف والانقسام، واستدعاء سرديات العنف الأهلي التي عانى منها السوريون طويلاً.

أخطر ما في هذا التفجير لا يكمن فقط في عدد القتلى والجرحى، بل في طبيعة الهدف المختار. فاستهداف دور العبادة، ولا سيما المساجد، يمثل ضرباً مباشراً لأحد أكثر الرموز قدسية في المجتمع السوري، ويؤشر إلى نية واضحة لضرب الشعور الجمعي بالأمان، كما أن اختيار مسجد يحمل اسماً ذا دلالة دينية عميقة، وفي منطقة ذات غالبية مذهبية محددة، يفتح الباب أمام قراءات طائفية قد تُستثمر سياسياً أو إعلامياً لتأجيج التوترات، حتى وإن لم تُعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم حتى الآن.

في السياق السوري الراهن، حيث لا تزال آثار الحرب ماثلة في الوعي الجمعي، يمكن لحادث من هذا النوع أن يعيد إنتاج الخوف الجماعي، ويقوض محاولات إعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع، فالمواطن السوري الذي اعتاد خلال سنوات الحرب على مشاهد العنف، يجد نفسه اليوم أمام سؤال مقلق، هل عاد استهداف المدنيين في أماكن عبادتهم ليكون أداة جديدة في صراع خفي على مستقبل البلاد؟ هذا السؤال بحد ذاته يعكس حجم القلق الذي يتركه التفجير في النفوس، حتى خارج مدينة حمص.

على مستوى السلم الأهلي، يشكل التفجير تهديداً مباشراً للتعايش الهش القائم حالياً، فالهجمات التي تحمل طابعاً طائفياً، سواء كان مقصوداً أو مُتوهماً، غالباً ما تفتح الباب أمام ردود فعل عاطفية، وقد تؤدي إلى تعميم الاتهام أو تبادل الشكوك بين المكونات الاجتماعية، وفي بلد متعدد الطوائف ك سوريا فإن أي خلل في هذا التوازن قد يقود إلى دوامة جديدة من العنف المجتمعي، حتى وإن لم يكن ذلك هو الهدف المعلن للجهة المنفذة.

سياسيا، يضع التفجير الحكومة السورية الانتقالية أمام اختبار بالغ الصعوبة، فمن جهة يتعين عليها تقديم رواية واضحة وشفافة حول ما جرى، والكشف عن نتائج التحقيقات في أسرع وقت ممكن، لضمان عدم انتشار الشائعات أو الروايات البديلة، ومن جهة أخرى، تقع على عاتقها مسؤولية طمأنة الشارع السوري، وإثبات قدرتها على ضبط الأمن وحماية المدنيين، في وقت تحاول فيه ترسيخ صورة القادرة على إدارة مرحلة ما بعد الصراع، أي إخفاق في هذا الجانب قد يُستغل من أطراف داخلية أو خارجية لتقويض الثقة بالمسار الانتقالي برمته.

الإدانات الرسمية التي صدرت عقب التفجير، سواء من وزارة الخارجية في الحكومة الانتقالية أو من دول عربية ك الأردن والسعودية ولبنان، عكست إجماعاً سياسياً على رفض استهداف دور العبادة، والتأكيد على دعم استقرار سوريا، إلا أن هذه المواقف على أهميتها الرمزية، تبقى غير كافية ما لم تُترجم إلى إجراءات عملية على الأرض، سواء من حيث تعزيز الأمن، أو محاسبة المتورطين، أو العمل الجدي على معالجة الأسباب البنيوية التي تسمح بتكرار مثل هذه الهجمات.

في المقابل، يبرز سؤال جوهري حول الجهة المستفيدة من هذا التفجير، فالوقائع تشير إلى أن المستفيد الأول هو كل من يسعى إلى إبقاء سوريا في حالة عدم استقرار، وإفشال أي محاولة لإعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة، قد تكون جهات متطرفة تسعى لإثبات حضورها من جديد، أو أطرافاً تخريبية تراهن على الفوضى، أو حتى قوى خارجية ترى في استقرار سوريا تهديداً لمصالحها، وفي جميع السيناريوهات، يبقى القاسم المشترك هو السعي إلى ضرب السلم الأهلي من الداخل.

يلعب الإعلام في هذه المرحلة دوراً حاسماً، إما في احتواء آثار التفجير أو في تعميق تداعياته، فالتغطية المتوازنة التي تركز على البعد الإنساني للضحايا، وتدين الجريمة دون تحميلها أبعاداً تحريضية، يمكن أن تسهم في تهدئة الشارع، أما الخطاب الإعلامي المشحون أو القائم على الإثارة، فقد يحول التفجير إلى أداة لتوسيع الشرخ الاجتماعي، وهو ما يضاعف من خطورة الحدث.

إن التعامل مع تفجير مسجد “الإمام علي” في حمص لا ينبغي أن يقتصر على المقاربة الأمنية وحدها، رغم أهميتها فحماية السلم الأهلي تتطلب معالجة أعمق تشمل البعد الاجتماعي والديني والإعلامي، وتعزيز ثقافة الحوار، ومواجهة خطاب الكراهية، والعمل على إعادة بناء الثقة بين مختلف مكونات المجتمع السوري، فالأمن الحقيقي لا يتحقق فقط عبر الإجراءات الأمنية، بل عبر شعور المواطنين بأنهم شركاء في وطن واحد، وأن دماء الضحايا لن تُستثمر في صراعات جديدة.

في المحصلة، يمثل تفجير مسجد “الإمام علي” جرس إنذار جديداً يذكر السوريين، والفاعلين السياسيين على حد سواء، بأن مسار الاستقرار لا يزال هشّاً، وأن أي تساهل في معالجة جذور العنف قد يعيد البلاد إلى مربعات قاتمة، الحفاظ على السلم الأهلي اليوم لم يعد خياراً، بل ضرورة وجودية، تتطلب إرادة سياسية ومسؤولية مجتمعية ووعياً إعلامياً، لمنع تحويل هذه الجريمة إلى شرخ دائم في الجسد السوري.

- Advertisement -

- Advertisement -